No Result
View All Result
حمزة حرب
تعيش سوريا اليوم حالة انقسامٍ وتشظٍّ رغم سقوط النظام السابق وادعاء الحكومة الانتقاليّة نيتها توحيد القوى والمجموعات والأراضي السوريّة، لكنّ هيمنة الاحتلال التركيّ على مناطق شاسعة وسيطرة مجموعات مرتزقة تتبع له على هذه المساحات يدحض ادعاءات الحكومة الانتقاليّة ويقوّض مساعي توحيد البلاد، ويعطّل أيّ اتفاقٍ سوريّ ــ سوريّ، وتشكل سلوك مجموعات المرتزقة حجر عثرة في هذا الاتجاه، وأمام عجز الحكومة الانتقالية عن تخطّي هذه العقبات، وإذعانها لقرارات أنقرة وإملاءاتها تبدو سوريا دولة تحت الوصاية.
فمنذ العام 2016 وإبان انكسارات مرتزقة “داعش” خصوصاً في منبج تدخل الاحتلال التركيّ بشكلٍ مباشرٍ واحتلت مدينة جرابلس الحدوديّة في 24/8/2016، وكان العنوان حينها محاربة “داعش”، ولكنّ الحقيقة هي قطعُ الطريقِ أمام قوات سوريا الديمقراطيّة من إتمام عمليات التحرير، وهو ما أتاح لأنقرة أن تحميَ مرتزقتها من “داعش” في جرابلس ومارع والباب بعد أن سيطرت عليها بمسرحية مكشوفة تبدلت فيها المسميات وبقيت المدينة قابعة تحت وطأة المرتزقة الذين ترعاهم تركيا، وبعد ذلك احتلال عفرين عام 2018 وبعدها احتلال سري كانيه، وكري سبي/ تل أبيض في التاسع من تشرين الأول 2019، وبقي الحال على ما هو عليه حتى سقوط نظام البعث، وبات النظام التركيّ يحتل أراضٍ سوريا ويهيمن على القرار السياسيّ والسياديّ في دمشق.
واقعٌ مرير
تحوّلت سوريا تدريجيّاً منذ آذار 2011 إلى ساحة مفتوحة للتنافس الدوليّ والإقليميّ، وتمثل الصراع المسلح بنموذج حرب الوكالة، وسرعان ما تحول إلى وجود عسكريّ مباشر ومتعدد الجنسيات، واعتباراً من آب 2016 والمصالحة الروسيّة التركيّة في سان بطرسبرغ تدخلت أنقرة مباشرة، واحتلت أراضٍ سوريّة، وذلك بعد مرحلة من التدخلِ غير المباشر والدفع باتجاه تطييف الأزمة السوريّة، واستخدمت أدواتٍ عديدة على الأرض كمرتزقة “داعش”، ما أدّى إلى تهجيرٍ قسري لعشرات الآلاف من السكان الأصليين، خصوصاً من الشعب الكرديّ، مع تغيير ديمغرافيّ ممنهج، وفق تقارير منظمات حقوقيّة.
منظمة العفو الدوليّة وهيومن رايتس ووتش أكّدا في تقارير مفصّلة لهم بأنّ المجموعات المدعومة من تركيا مارست الاستيلاء على ممتلكات المدنيين وفرضت الإتاوات، بل وصلت إلى حدِّ الاعتقال التعسفيّ والتعذيب في بعض الحالات، خاصة لمن يرفضون التغيير الديمغرافيّ أو يطالبون بالعودة.
علاوة على ذلك ألحق الاحتلال التركيّ المناطق المحتلة إداريّاً بالولايات التركية المقابلة على الطرف الآخر من الحدود له وأناط بالمسؤوليّة الإداريّة والتنظيميّة عن تلك المناطق بولاة أتراكٍ. كما فرض العملة التركيّة داخل هذه المناطق وعمل على تتريك المدارس والثقافة والمراكز الصحيّة ورُفعت الأعلام التركيّة في كلّ مرفق عام، وفُرضت اللغة التركيّة في بعض المناهج، ما ساهم في طمس الهوية السوريّة وتحويل المناطق إلى أشباه مقاطعات خاضعة لأنقرة.
كما لعب الاحتلال التركيّ لشمال سوريا دوراً بارزاً في ترسيخ خطة ممنهجة لإعادة الهندسة السكانيّة وفق آليات التغيير الديمغرافيّ، حيث تم إسكان عائلات من إدلب وريف دمشق والغوطة في منازل المهجرين قسراً في حين تبرر دولة الاحتلال هذه الإجراءات بـ”إعادة توطين اللاجئين”، إلا أن جهات حقوقية محلية ودولية تؤكد أن ما تقوم به أنقرة ما هو إلا نوع من التطهير العرقي وهذه الممارسات تخالف القانون الدولي الإنساني.
ورغم محاولات ترويج البعض تبريراً للاحتلال بزعم وجود نظامٍ قمعي في دمشق متمثل بالأسد، فإن أنقرة تحاول فرض وقائع مؤقتة لكن اليوم وبالرغم من انتهاء المعارك وسقوط النظام البائد، لم يُسمح لمعظم النازحين والمهجرين بالعودة، حيث تُفرض قيود أمنية، ويتم توجيه تهديدات بالقتل والاعتقال فحتى اليوم، يعيش آلاف المهجرين في مخيمات مكتظة يعانون من واقع مرير تفرضه أنقرة ومرتزقتها داخل سوريا بينما تقف الحكومة الانتقاليّة مكتوفة اليدين أمام هذا الواقع رغم زعمها الإمساك بزمام الأمور في سوريا.
يواصل الاحتلال التركيّ تنفيذ مشاريع اقتصاديّة وإداريّة في المناطق المحتلة، من بناء طرق إلى فتح جامعات، وبات السكان الأصليون يزداد شعورهم بالخذلان من المجتمع الدوليّ، الذي يرى في تركيا “حليفاً استراتيجيّاً”، رغم الانتهاكات ليتغاضى عنها ويترك السوريين يصارعون مصيرهم في وجه آلة القمع والقتل والتهجير، وفي ظل غياب حلولٍ عادلة، يبقى حلم العودة لهم ليس مسألة وقت، بل مسألة قرارٍ سياسيّ لا تملكه الشعوب المقهورة.
الاحتلال وخلق الأزمات
كانت سوريا منذ اندلاع الحرب في 2011 ساحة لتقاطع وتناقض مصالح متعددة، وعلى رأسها دولة الاحتلال التي لعبت دوراً مركزيّاً في تعميق معاناة السوريين خلال الأزمة السوريّة واستغلال تطلعاتهم وأحلامهم وتفجير حالات الاحتقان، وتوظيف ذلك لتنفيذ أجنداتها باحتلالها العسكريّ المباشر وهو ما أثر سلباً على مجريات الأحداث.
هذه السياسة وضعت سوريا أمام خيارات صعبة بعد تتغلغل دولة الاحتلال أكثر في صناعة الأزمات في الداخل السوريّ، ابتدأ ذلك من خلال مقايضات أستانة وسوتشي وتقاسم الأراضي بصفقاتٍ مشبوهة وإنشاء مناطق نفوذ باسم “خفض التوتر” ما منح الفرصة للاحتلال لتكريس وجوده داخل الأراضي السوريّة وهيمنته على قرار فصائل سوريا وحوّلها لمرتزقة تنفذ أجنداته على الأرض. وبلغت درجة وقف الجبهات ضد النظام بعد إخراج المسلحين إلى حلب، والاشتراك في العمليات العسكريّة التركيّة العدوانيّة والاحتلاليّة.
واصلت سلطات الاحتلال التركيّ سياسته في حرف مسار السوريين ليجني عوائد إسقاط النظام عبر رسم معالم سوريا الجديدة من خلال الهيمنة الكاملة على قرارات الحكومة الانتقاليّة، في مشهد يبدو وكأن البلاد بأكملها أصبحت رهينة الاحتلال التركيّ، بعيداً عن إرادة الشعب السوريّ الذي يتطلع إلى مخرج لأزماته وفضاءات رحبة للحرية والحياة.
بات المحتل التركيّ يلعب دوراً محوريّاً في كل القرارات التي تتخذها الحكومة الانتقاليّة والتي كانت حتى الأمس القريب مجموعة مسلحة تتواجد في إدلب وتهيمن عليه الإرادة التركيّة. واليوم تعيش هذه الحكومة منقوصة القرار السياديّ، والعلاقة المحدودة على المستوى الفصائليّ والأداتيّ تحوّلت إلى علاقاتٍ باسم السياسةِ الخارجيّة والتحالف بين بلدين، ولكن دون تغيير في المضمون، إذ تخضع كلّ قرارات الحكومة الانتقالية لمجهر المراقبة التركيّ، إلى حد مصادرة القرار السوريّ، وهذا الواقع دفع بقراء السياسة لوصفِ الحكومةِ الانتقالية في دمشق بأنّها واجهة لسيطرة أنقرة على سوريا، وهو ما قاله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكلٍ صريح بأن أردوغان بات يملك القرار السوريّ برمته وهذا التأكيد يبرهن أن قرارات الحكومة، بدءاً من مسألة الأمن وحتى تقديم الخدمات الأساسيّة، يتم توجيهها من قبل تركيا بما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجيّة في سوريا.

ما زالت أنقرة تدعم مجموعات مرتزقة رغم أنّها أعلنت انضمامها إلى وزارة الدفاع، ولكنها عمليّاً لا تمتثل لقراراتِ الحكومة الانتقاليّة، ولا تخضع للتراتبيّة العسكريّة رغم منح متزعميها وقيادييها رتباً عسكريّة رفيعة. وبحسب تقرير مركز جيمس تاون البحثيّ الأمريكيّ الذي صدر في أيلول الماضي فإنّ “مرتزقة السلطان سليمان شاه، العمشات” و”الحمزات”، تواصلان العمل خارج إطار “الجيش السوريّ الجديد” بعد سقوط نظام بشار الأسد، ويحتفظان بروابط ماليّة ولوجستيّة مباشرة مع تركيا، في وقت يثار فيه جدل واسع حول دورهما وانتهاكاتهما. وحسب التقرير، فإنَّ المجموعتين المدعومتين من أنقرة يتلقيان تمويلاً متزايداً ورواتب أعلى. وبذلك يمسك المحتل بورقة أخرى يلعب فيها دوراً في خلق الأزمات داخل سوريا فهو يلوّح باستغلال النزاعات الداخليّة وتعميق الانقسامات بين المجموعات المختلفة.
وفيما يروّج إعلاميّاً أنّ العلاقات بين أنقرة ودمشق تأتي في إطار التعاون والتنسيق والدعم السياسيّ والعسكريّ، فإنّ قضية الاحتلال التركيّ لمناطق سوريّة غير مطروحة، بل عملت أنقرة على افتعال اشتباكات لتعطيل تنفيذ اتفاق العاشر من آذار مع قوات سوريا الديمقراطيّة، وبفشلها بالحصول على ضوء أخضر لشنّ عدوان جديد، راحت تطرح مشروع تعديل اتفاقية أضنة وزيادة عمق تدخلها في سوريا إلى 30 كم.
أسعد الشيباني والذي تبوأ منصب وزير الخارجيّة بالحكومة الانتقاليّة بدمشق كان قد تبنّى سياسة تقارب مع الأتراك منذ بداية الثورة السوريّة لكن ما يثير الاستفهام هو أنّ بعد كل اجتماع مع قسد يقوم الشيباني بزيارة أنقرة، وهو ما يؤكّد حجم التأثير التركيّ على مسار التفاهمات السوريّة وعرقلتها.
السوريون اليوم قابعون تحت وطأة احتلالٍ تركيّ مباشر لأجزاء واسعة من شمال سوريا واحتلال غير مباشر بمصادرة قرارهم الصادر عن دمشق من خلال خلق الأزمات واللعب على وتر التناقضات وتعميق الشرخ بين الأطراف السوريّة؛ لأنَّ الاحتلال في نهاية المطاف يتغذى على الأزمات التي يخلقها ليضمن بقاءه مهيمناً على القرار السوريّ ويحفظ مصالحه القائمة على الأرض السوريّة وهو ما يدفع سوريا نحو مصيرٍ مجهول ويضع الشعب السوريّ أمام تحديات أكبر في مسيرته نحو الحرية والسلام.
في ظل هذا الوضع المعقد، بقيت مصالح دولة الاحتلال التركيّ هي من تشكل العامل المعرقل لأي حل سياسيّ مستقبلي وذلك بسبب افقادها أيّ استقلال سياسيّ للحكومة الانتقاليّة وهو ما يعيق رسم مستقبل سوريا ويقوّض أيّ مسار توافقي بين السوريين أنفسهم ويعطل أيّ أفق لبناء سوريا مستقلة وحرة.
ورغم أنّ الحكومة الانتقاليّة لا تزال ترفع شعارات الاستقلال الوطنيّ ووحدة الأراضي السوريّة وتؤكد إدانة احتلال إسرائيل لأراضٍ سورية جنوبي سوريا وتحاول البحث عن مخرج لها من هذه المعضلة، إلا أنّها تغضّ الطرفَ عن بقاء المحتل التركيّ الجاثم على صدور السوريين في مناطق شاسعة من البلاد.
هذه الازدواجية في المعايير من الحكومة الانتقاليّة تترك تأثيراً سلبياً على مصداقيتها داخليّاً وخارجيّاً ففي الداخل يعاني السوريون من انقسام سياسيّ وتنازع حول الأولويات ودور الاحتلال التركيّ يُعتبر أمراً مرفوضاً من قبل كثيرين، ولا تملك الحكومة الانتقاليّة أيّ خيارات تطرحها للخلاص من هذه الهيمنة والالتفات الى التوافق الوطنيّ الداخليّ بعيداً عن املاءات الاحتلال.
الحكومة الانتقاليّة وخيارات الحل
عندما اندلعت الثورة السوريّة في عام 2011، كان الهدف واضحاً لكلّ السوريين وتمثل بالحرية والكرامة وحكومة وطنيّة منتخبة من الشعب وتُعبّر عن مصالحه، ولكن مع مرور الوقت وتفاقم الأزمة وسقط النظام السوري طفت على السطحِ حكومة انتقاليّة لا تعبر عن تطلعات السوريين ولم تكنِ الحلّ الذي قد يجمع السوريين تحت راية واحدة.
الواقع السوريّ اليوم مليء بالتدخلات الخارجيّة وعلى رأسها تدخلات الاحتلال التركيّ الباحث عن مصالحه ومشاريعه التوسعيّة. لذا؛ بات من الضروري اليوم تبني مطالب الشعب السوريّ والعمل على تحقيق طموحاته بالعدالة، المساواة، وبناء دولة ديمقراطيّة تعدديّة تحتوي في ثناياها كلّ أطياف المجتمع السوريّ
ومن موقع المسؤوليّة، فإنّ الحكومة الانتقاليّة مطالبة اليوم بتأكيدِ السيادةِ السوريّة ورفض أيّ تدخلات خارجيّة تصادر القرار السوريّ، سواء من القوى الكبرى أو الإقليميّة. إذ يؤكد خبراء السياسة أنّه لا يمكن أن تكون هناك دولة موحدة إذا كانت القرارات السياديّة تُؤخذ في عواصم خارجيّة. والسوريون الذين ثاروا على النظام لم يهدفوا إلى استبدال طهران بأنقرة أو استبدال نظام استبداديّ بآخر إقصائيّ.
فالتركيّز على وحدة الشعب السوريّ بتعدد مكوناته وأطيافه يجب أن يكونَ أولوية لدى الحكومة الانتقاليّة وأن تعملَ على حلِّ الخلافاتِ والقضايا في سوريا وعلى رأسها القضية الكرديّة وتبديد مخاوف الشعوب الأخرى من درزيّة وعلويّة وأن تضعَ في حسبانها العدالة الاجتماعيّة لجميع السوريين.
عندما تمتلك الحكومة الانتقاليّة في سوريا القدرة على التمسك بمصالح الشعب السوريّ وتتبناها في سياستيها الداخليّة والخارجيّة، حينها سيمنحها الشعب السوريّ الشرعيّة كنتيجة، ولكن ما يحصل هو قلبٌ ما بين السبب والنتيجة، بافتراض أنّ الحكومة الانتقالية حائزة كامل الشرعيّة، على قاعدة “من يحرر يقرر” ويُطالب السوريون بالموافقة على قراراتها التي تنطوي على تهميش وإقصاء ومحاباة لسياسة دولة أخرى محتلة لأراضٍ سوريّة. والحديث عن شرعيّة ممنوحة من الخارج ودعم دوليّ مجرد “وهم”، بل محل شبهة، إذ لطالما كانت الشرعيّة الوطنيّة في علاقةِ تناسبٍ عكسيّ مع الشرعيّة الخارجيّة والتي تقوم على أساس المصالح والاستثمار.
الطريق أمام بناء سوريا موحّدة وقوية تنهض بعد الدمار الذي لحق بها ليس مفروشاً بالورود، بل يتطلب تضافر الجهود وإعلاء كلمة السوريين فوق كلّ كلمة، وهو ما يؤسس لسوريا ذات سيادة تحترم حقوق الإنسان وتضمن العدالة لجميع أبنائها، وحجر الأساس لهذا التوجه هو استقلال القرار الوطنيّ وإفساح المجال أمام حوار وطنيّ شامل يعيدُ للسوريين وطنهم المسلوب لصالح الأطماع الخارجيّة ويحررهم من الوصاية التركيّة.
No Result
View All Result