فراس يونس (سياسي وكاتب)
تظاهرت جماهير غفيرة ومحامون وموظفون ونقابيون ومواطنون ومواطنات من كل الأعمار، وفي كل المؤسسات العامة والخاصة وأُغلقت المحال التجارية في عموم مدينة قابس جنوب تونس، تظاهرة غير مسبوقة قدّرها مراقبون بـ 130 ألف إنسان من كل الفئات الاجتماعية، وأمست مدينة قابس مشلولة من الحركة الاقتصادية منذ يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من تشرين الأول في أفق إضراب عام للمطالبة بتفكيك مجمع صناعي ملوث للبيئة، وهو المجمع الكيميائي التونسي والذي تسبب في أكثر من 200 حالة اختناق وتسمم ولاسيما لدى الأطفال.
مظاهرة يؤكد مراقبون إنها غير مسبوقة باحتشاد عشرات آلاف المواطنين والمواطنات وهي تزداد تصاعداً وسط إهمال حكومي واضطراب في معالجة الملف الأيكولوجي من جذوره.
هذه التحركات الاحتجاجية التي بدأت منذ أكثر من أسبوعين ضد خطر تفاقم الآثار الصحية الخطيرة للسكان في مدينة قابس، حيث الهواء هناك ثقيل وخانق يجعل من كل نفس تجربة مؤلمة مشبع بغازات سامة تلسع العيون وتحرق الحناجر، كما يصفها مراقب بيئي، اختفت الأسماك وذبلت الأشجار والواحات التي كانت تروى من ينابيع طبيعية تحترق الآن في تربة ملوثة ومسمومة، وعلى الشواطئ لم يتبقَ سوى بضع سلاحف نافقة ونفايات وسفن مهجورة.
نريد أن نتنفس
قابس المدينة التي كانت تعتبر لؤلؤةً بيئيةً بمزيجها المتميز من الواحات وتنوعها البيئي، وهي تقع في الجنوب الشرقي من تونس على ساحل الخليج الذي يحمل اسمها (خليج قابس) أمست أرض سامة تنتشر فيها أمراض السرطان والجهاز التنفسي وهشاشة العظام على نطاقٍ واسع.
مطالب سكان مدينة قابس تعكس تراجعاً عن الشعارات التي أُطلقت في سياق ما سُمي بالربيع العربي التي طالبت بالحرية والعدالة نحو مطالب أكثر إلحاحاً، يطالبون بحقهم في الحياة رغم شظف العيش الاقتصادي، في التنفس، ويريدون خاتمة لوضع مأساوي لا يُطاق.
يا قابس يا مظلومة من التلوث والحكومة
هذا ما علت وصدحت به حناجر المتظاهرين في تظاهرات سكان قابس في اتهام صريح للحكومة التي أبدت تباطئاً لافتاً لمعالجة الكارثة البيئية رغم أن الكارثة تراكمية وليست وليدة اليوم بل تعود إلى حوالي خمسين عام وهو ما تتحمله حكومات سابقة للوضع الحالي، ويحتاج الموقف الى إرادة حازمة بإغلاق المعمل وتفكيك وحداته ومعالجة الأضرار البيئية التي تسبب بها على البشر والشجر والحجر.
الشعب يريد تفكيك الوحدات
لم تضطر الناس في هذه المنكوبة للنزول الى الشارع مكرهةً الا بعد نفاذ صبرهم منذ 2017 وكان يوجد قرار بموجب مخطط تنظيمي بتفكيك وحدات المعالجة في المصنع منذ ذلك التاريخ ولم تحرك أي جهة حكومية ساكن لتنفيذ عملية التفكيك والمطلوب اليوم تفكيك الوحدات من دون تأجيل يطالب المحتجون معتبرين أنها جريمة دولة بيئية جريمة قتل ممنهج تتسبب بالإصابة بأمراض مستعصية ومزمنة.
الملف الأيكولوجي وافد جديد على جدول أعمال السياسة وحركاتها الحزبية
الملف الأيكولوجي مستجد على برامج أعمال السياسة وعموماً كان هذا الملف نخبوياً، ولم يستحوذ على اهتمام الناس العاديين وهنا ميزة مظاهرة قابس التي اسستحوذت على اهتمام كل المواطنين، ولم تندرج المشكلات البيئية يوماً على اهتمام وجدول أعمال الأحزاب السياسية والمؤسسات الإعلامية الاختصاصية فضلاً عن تجاهل المستوى السياسي الحاكم الذي لم يبادر إلى تفكيك وحدات المعالجة ولجوئه إلى التسويف وسوء تقدير المخاطر الناتجة عن ضخ سموم المعمل الكيماوي. لكن ذلك يجب أن يصبح موضع اهتمام الحركة النقابية فيه واعتباره هماً نقابياً وسياسياً ووجودياً، ولا يمكن القفز فوقه تحت طائلة أي اعتبار لأنه بمثابة تحدي وجودي للشعب التونسي بأسره.
حضور الملف الأيكولوجي مرتبط باعتبارات الاقتصاد والسياسة والمجتمع وتفاصيلها ذات الصلة بالصحة العامة والسكن والصناعة.
توظيف آلام التونسيين
ثمة من يسعى في قابس، وتونس عموماً في توظيف آلام التونسيين، وتأجيج الأوضاع في تونس هكذا يعلّق الرئيس التونسي قيس السعيد على ما جرى من احتجاجات قابس، لكن واقع الحال أن المشكلة ليست في توظيف الآلام بل بتباطؤ إجراءات تفكيك الوحدات بل إن الدولة كانت صامتة حيال ما يجري خلال السبع سنوات الماضية.
استراتيجية التحرك البيئي الحالي وموقعه في العملية السياسية
من الخطأ الزعم إن مظاهرات مدينة قابس وإضرابها، لا تتعلق بالحريات والكرامة التي ثار التوانسة من أجلها ونجم عنها الإطاحة بحكم زين العابدين بن علي، بدليل إنها نتاج انتزاع تلك الحريات التي تم قطافها، بل أنها لاقت تقديراً من الرئيس التونسي الحالي كمؤشر على تبني الحريات، لكنها تدشن اهتماماً شعبياً وسياسياً استمراراً لسياق يحاول الكثير طمسه ودفنه في استقرار واهم بمآل انتهاء عصر الثورات الديمقراطية بمجرد وصول فريق إلى السلطة وتزعمه حماية المسار الديمقراطي ولو بوسائل غير ديمقراطية لكن ما تعلمه التونسيون إنهم يتطلعون إلى ديمقراطية حقيقية وهذا التطلع اليوم بعد كل إخفاقات الربيع العربي المضرّج بالدماء في أغلب ربوعه هو تطلع ورغبة عالمية بالديموقراطية لا يمكن إدراكها كما سماه المفكر الإيطالي طوني نيغرو إلا في أفق ثورة ديمقراطية لكن هذه الديموقراطية الحقيقية لا تقوم على تصور ليبرالي للفرد، ولا على تصور هوياتي (من الهوية) للجماعة، بل على حكومة المشترك وذلك باعتبار المشترك شكلاً جديداً من الذاتية السياسية، فيما أبعد من الهوية والغيرية والذاتية معاً. لذلك؛ نتوقع أن يتعمم هذا التدفق الاحتجاجي في وجهه الإيكولوجي مناطق عديدة في الشرق الأوسط في أفق مختلف لما بدأته حرائق الربيع العربي، دون أن يكون مغايراً في أهدافه وتطلعاته.