No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف – تحت شمسٍ لاهبة، وفي أزقةٍ ضيقة تفصل بين خيمةٍ وأخرى، يعيش كبار السن في المخيمات بين الذاكرة والانتظار، وجوههم تروي حكاياتٍ لا تنتهي، كل تجعيدةٍ تحوي سطراً من الفقد، وكل نظرةٍ غائرة تحمل وزناً من الحنين إلى بيوتٍ لم تعد قائمة.
لم يكن المسنّون في المخيمات مهجرين فقط، بل الذاكرة الحيّة للشعوب الممزقة، شهودٌ على الخسارات المتكررة، وحراسٌ لبقايا الإنسانية في أماكن لم يعد فيها شيءٌ يشبه الإنسان، وجوههم هي التاريخ الذي لم يُكتب بعد، مملوءةٌ بأحداثٍ ووجعٍ لا يوثّق بالكلمات.
وتحمل تلك الصور، وتلك الوجوه رسالة صامتة للعالم بأن الشيخوخة في المخيم ليست ضعفاً، بل مقاومة، أن الوقوف على الأقدام رغم الألم فعل بطولةٍ خفي، وأن كلّ تجعيدةٍ على وجهٍ مسنّ سطرٌ في رواية البقاء، إذ أنه في تلك العيون التي أنهكتها الدموع، ما زال بريقٌ صغيرٌ يلمع مؤمناً بأنّ الغد مهما تأخر، سيأتي.
صور تروي الواقع
ففي إحدى زوايا المخيم، تقف امرأة مسنّة ترتدي وشاحاً أبيض ناصعاً، تغمض عينيها كمن يحاول أن يغفو على صدى ماضٍ بعيد، ملامحها تشبه الأرض التي لم تعد خضراء، لكنها ما زالت تنبض بالحياة رغم العطش، وفي صمتها ألف حكايةٍ عن ليالٍ باردة وأيامٍ تمرّ ببطءٍ كأنها لا تريد الوصول إلى الغد، هذا الوجه الذي أنهكه الزمن، لا يزال متمسكاً بكرامةٍ ترفض الانكسار، وكأنّها تقف في مواجهة العالم كلّه بقلبٍ أنهكه الحروب.
وعلى بعد خطواتٍ منها، تسير امرأة أخرى متكئة على مشاية معدنية، تتحدى ضعف الجسد بثقل الإرادة، خطواتها بطيئة، لكنها تمضي كمن يصرّ على الحياة رغم كل ما فقده، وفي عينيها اللتين ينظران إلى الأرض خشية السقوط، يختبئ تاريخ طويل من النهوض بعد كل عثرة، ومن الصبر على وطنٍ تركهم عند حافة العمر، وقريباً من أحد خزانات المياه؛ تقف امرأة أخرى تملأ قوارير المياه لتعيدها إلى خيمتها، فجسدها غير قادر على حمل البيدونات البلاستيكية.
وتجلس العجائز في ظلّ الخيمة، يمددن أيديهن المرتعشة نحو إبريق الشاي، يتحادثن عن الأيام التي مضت كما لو أنهن يستدعين الحياة من رمادها، يروين قصصاً عن شبابٍ ضاع بين المعارك، وعن قرى كانت يوماً خضراء، وعن أصوات أطفالٍ لم يعودوا يسمعونها، أصواتهن تتهدج بين الحين والآخر، لا من الحزن فحسب، بل من طول الصمت الذي يسكن حناجرهن.
وتتجول بين أزقة المخيم فتلتقي بوجوهٍ تحمل على ملامحها خرائط العمر، وجوهٍ حُفرت فيها التجاعيد كأوديةٍ من الألم، تتحدث بلا كلمات عن حياةٍ امتلأت بالحروب والتهجير والفقد، كلّ نظرةٍ في أعينهم تختصر رحلة عمرٍ مضى بين الحقول والبيوت، بين الأبناء والذكريات، قبل أن يتحوّل كلّ ذلك إلى غبارٍ على أطراف الخيام.
بريقٌ يحمل أمل
ويعيش المسنون في المخيمات وجعاً مضاعفاً، فالجسد الذي أنهكه الزمن لا يجد الراحة، والقلب الذي حمل الحروب لا يجد السكون، والبرد يزحف إلى عظامهم في الشتاء، والحرارة تلسع وجوههم في الصيف، فيما يبقون أسرى لخيمةٍ مهترئة لا تقيهم سوى بالاسم، وبعضهم فقد أبناءه في الحرب، وبعضهم ينتظر خبراً من بعيد، لكنّ القاسم المشترك بينهم جميعاً هو شعورٌ بالخذلان، بأن العمر الطويل انتهى في مكانٍ لا يشبه الوطن.
ورغم ذلك، يبقى في عيونهم بريقٌ خافت، يشبه جمرةً تحت الرماد، يحمل إيماناً بأنّ الأيام لا بدّ أن تنصفهم يوماً، أو على الأقل أن تحفظ ذكراهم لمن سيأتي بعده، ففي المخيمات، تتكئ الشيخوخة على الصبر، وتعيش الكرامة على فتات الأمل، ويظلّ الكبار فيها شهوداً على أن أقسى ما في الحرب ليس الموت، بل البقاء بعدها.
وفي نهاية اليوم، يظلّ المسنون في المخيمات أبطالاً مجهولون، يقفون في مواجهة الحياة بأجسادٍ واهنة وقلوبٍ لا تكلّ من الأمل، فهم لا ينتظرون الكثير، سوى أن يُسمع صوتهم، وأن يُذكروا كمن عاشوا ولم ينكسروا، كمن ظلّوا يحملون معنى الكرامة حتى في أقسى صور الفقر والوحدة، لبقوا آخر مَن يروي حكاية الوطن كما كان، وأوّل مَن يدفع ثمن غربته على ترابٍ لا يشبه البيوت التي غادروها.
No Result
View All Result