No Result
View All Result
بدرخان نوري
بصرف النظر عن الاتهام الموجه إلى متزعم المسلحين الفرنسيين “عمر أومسن” فإنّ الاشتباك على بوابة المخيم الفرنسيّ دق جرس الإنذار، واستشعر معه المسلحون الأجانب احتمال أن يكونوا ثمناً لصفقة محتملة تحسّن على حسابهم الحكومة الانتقالية في دمشق صورتها أمام دول الغرب وبخاصةٍ بعد تأكيد تلك الدول على حلِّ مسألة المسلحين الأجانب وعدم رغبة دولهم باستعادتهم. فيما تنفرد أنقرة بقيادة الملف وتواصل استثماره عسكريّاً وسياسيّاً.
اشتباكات واستنفار للأجانب
أعادت أحداث “المخيم الفرنسيّ” في ريف حارم بمحافظة إدلب للواجهة ملف المسلحين الأجانب في سوريا، كأحدِ أعقد الملفات أمام الحكومة السوريّة الانتقالية.
فقد شهد المخيم الفرنسي، الأربعاء 22/10/2025 اشتباكات عنيفة بين عناصر الأمن العام ومسلحين أجانب معظمهم فرنسيون وبعضهم مرتبط بالفرقة 82. وذلك عقب محاولة قوة أمنيّة دخول المخيم لاعتقال أحد المطلوبين، وقوبلت المحاولة بمقاومة عنيفة قادها الفرنسيّ من أصول سنغاليّة عمر أومسن (عمر ديابي) والمتهم بخطف فتاة، ورجحت مصادر أنّ السبب القبض على مطلوبين فرنسيين وتسليمهم لسلطات بلادهم. ونشر المسلحون الفرنسيون في مخيم المهاجرين عبر صفحتهم الرسميّة على التلغرام: “لقد قطعنا 3400 كم عندما سمعنا نداء المسلمين السوريين… الحرب كسبناها مع باقي الفصائل يداً بيد، واليوم هذه اليد بدأت تطلق النار علينا وتصافح ترامب وماكرون…”.
تطويق القوة الأمنيّة للمخيم أثار مخاوف في أوساط المسلحين الأجانب أعربوا عنها عبر حساباتهم على منصة «إكس» متسائلين عن مصيرهم، وما إذا كان التضييق عليهم وشن حرب ضدهم هو عنوان المرحلة المقبلة أصوات لنصرة من بداخل المخيم من “مهاجرين” تجدد طرح هذا الملف لكن من باب أنّه يشكل تهديداً على استقرار سوريا وأمنها.
انتشرت على منصات التواصل الافتراضي في سوريا مقاطع مصوّرة لمسلحين من الأوزبك وصلوا إلى مدينة حارم لدعم المسلحين الفرنسيين ضد قوات الأمن العام. وفي مقطع متداول، قال مسلح أوزبكي: “اجتمعنا في إدلب لنصرة إخواننا الفرنسيين”، ودعا جميع المسلحين المهاجرين إلى “الاستعجال في نصرة إخوانهم، لأنّ الدور قادم عليهم”. وأضاف: “نحن لا نقاتل ضد الحكومة السوريّة، بل ندافع عن إخوتنا المهاجرين، لأنّ السلطات تسعى لتسليمهم إلى فرنسا، ونحن مستعدون للدفاع عنهم بدمائنا”.
وجاءت الحملة، عقب حادثة اختطاف الطفلة الفرنسية ميمونة فرستاي (11 عاماً)، وأكدت حسابات مسلحين فرنسيين على “تلغرام” إنّ ديابي يحتجزها داخل المخيم بعيداً عن والدتها المقيمة في بلدة دركوش بريف إدلب، فيما يعيش والدها في فرنسا. وبثّت تلك الحسابات مقاطع مصوّرة للطفلة ميمونة وهي تشرح قصتها، مع تسجيلات صوتيّة لوالدتها سارة ورسائل باللغة الفرنسيّة تتحدث فيها عن ابنتها المختطفة، إضافة إلى صور لشكاوى رفعها والد الطفلة المقيم في فرنسا إلى محكمة سلقين طالب فيها بتعليق حضانة الأم.
أوضح قائد قوات الأمن العام في محافظة إدلب، غسان باكير، إنّ الحملة الأمنيّة جاءت “استجابةً لشكاوى أهالي مخيم الفردان بشأن انتهاكات جسيمة، كان آخرها خطف فتاة من والدتها على يد مجموعة مسلحة خارجة عن القانون بقيادة “عمر ديابي”.
والخميس توصلت وزارة الداخلية السورية، الخميس، إلى اتفاق مع قيادة “كتيبة الغرباء” التي تضم عناصر فرنسيّة وأجانب، يقضي بوقف إطلاق النار في معسكر المهاجرين ومخيم الفرنسيين. وفك الاستنفار وسحب السلاح الثقيل إلى الثكنات، وإيقاف التحريض الإعلاميّ من الطرفين، وإحالة الملف إلى وزارة العدل خاصة اتهام الخطف، عدم ملاحقة أي فرد شارك في الأحداث وأن يتولى ثلاثة وسطاء متابعة قضية قائد “كتيبة الغرباء” عمر ديابي «أومسن»: الشيخ أبو محمد تركستانيّ قائد الفرقة 84، الشيخ عبد العزيز أوزبك قائد لواء أبي عبيدة بن الجراح، الشيخ سيف الدين أوزبك عسكري لواء، الشيخ أبو أنس طاجيك أمير جماعة طاجيك، وممثل عن وزارة الدفاع القائد أبو عبدو طعوم مسؤول العلاقات.
معسكر مغلق
المسألة تتجاوز مشهد التوتر والاشتباك المسلح وأكثر تعقيداً مما هو ظاهر فقد بات المسلحون الأجانب عبئاً على سلطات دمشق. ولا تتوفر إحصاءات دقيقة بشأن أعدادهم، وقدّر مركز “جسور” للدراسات عددهم بـ5 آلاف من جنسيات متعدّدة، وهؤلاء فقط من انضموا إلى المجموعات المقربة من هيئة تحرير الشام. واليوم يُنظر إليهم مجموعات خارجة عن القانون وأنهم قنبلة موقوتة يجب تفكيكها.
مخيم «الغرباء»، أو “مخيم الفرنسيين”، يقوده الفرنسيّ ذو الأصول السنغاليّة عمر أومسن (عمر ديابي)، ويقع قرب الحدود السورية التركيّة، في حارم بمحافـظة إدلب، وصل أومسن إلى سوريا عام 2013، قادماً من مدينة نيس الفرنسيّة، وبدأ بعمليات تجنيد مسلحين أفارقة وفرنسيين، والذين قدموا منهم إلى سوريا للقتال، انضم بعضهم إلى «داعش»، وبقي بعض مع أومسن في خطه القريب من “جبهة النصرة” حينها. وتقدر تقارير ميدانيّة، أنّ المخيم يضم 2ــ3 آلاف شخص من أصول فرنسيّة وبلجيكيّة، بينهم نساء وأطفال ومقاتلون، ويخفي المخيم الواقع في جبل حارم تجاوزات عدة تراكمت عبر الأعوام، حتى تحول من مجرد مأوى لعائلات مسلحين أجانب إلى كيان مغلق تمارس داخله سلطة موازية خارج إطار القانون. ويشبّه البعض المخيم بالمعتقل.
ومنذ انتقال المخيم من موقعه القديم في منطقة المخيم الأزرق إلى مخيم الفردان داخل ريف إدلب، بدأت تظهر مؤشرات واضحة على تكوين إدارة داخليّة غير خاضعة للرقابة. وتتحرّك من منطلق إيديولوجيّ لا سياسيّ، ولا يحظى المسلحون الأجانب بقبول كافة شرائح الشعب السوريّ.
من أولوية التكريم إلى أولوية التحييد
بعد سقوط النظام جعلت الحكومة الانتقالية موضوع المسلحين الأجانب أولوية واعتبرتهم أصحاب فضل عليها فسعت إلى تطمينهم، وطرحت فكرة منحهم الجنسية السوريّة، إضافة لتسليمهم مهاماً أمنيّة رسميّة ومناصب ورتباً عسكريّة. وكانت واشنطن ومعها الاتحاد الأوروبيّ قد اشترطت حل مسألة المسلحين الأجانب للانفتاح على سوريا ورفع العقوبات عنها ولكن دون توضيح شكل هذا الحل وأساليبه.
لا معطيات ومؤشرات تفيد بأنّ الحكومة الانتقالية بصدد فتح معركة موسعة ضد المسلحين الأجانب، بل محاولة لإخضاعهم كغيرهم من السوريين، تمهيداً لسحب سلاحهم وتسوية أوضاعهم حتى لا تبقى مواقعهم بؤراً أمنية متفلتة. ولكن ثمّة مخاوف من عدم تجاوب المسلحين الأجانب مع سياسة الحكومة الانتقالية لجهة تسليم سلاحهم ودمجهم بالشعب السوريّ. ويحملُ قسمٌ منهم أفكاراً إيديولوجيّة متطرفة ويرفض سياسة الانفتاح والبراغماتيّة التي تبديها الحكومة، وتم تداول توصيف “كفّار” قالها مسلحون فرنسيون لعناصر الأجهزة الأمنيّة خلال الاشتباكات الأخيرة، تعبيراً عن الرفض والاحتقان.
وقد يدفع تمرّد المسلحين الأجانب واستمرار خروجهم عن القانون وضغط المجتمع السوريّ الداخلي والدوليّ الحكومة الانتقالية لاتخاذ إجراءات عسكريّة ضدهم. وهو ما تستغله مجموعات تستفيد من حالة الخروج عن القانون ومتمسّكة بسلاحها. وحينها، قد يتخذ القرار بمواجهة هذه المجموعات، وبخاصةٍ أنّ أعدادها ليست كبيرة ولكن العواقب ستكون خطيرة وقد تمتد إلى دمشق وإلى عمق أجهزة السلطة القائمة.
يرفض المجتمع الدوليّ إجمالاً عودة المسلحين الأجانب إلى دولهم، كونهم يشكلون خطراً أمنيّاً، ولك، يطالبون باسترداد بعضهم لمحاكمتهم. وبالتالي، فإن الحكومة الانتقالية متروكة أمام خيار حسم هذا الملف، إما بالأساليب السياسية والديبلوماسية، والتي تقتضي بتسوية تنزع خلالها سلاحهم وتقدّم لهم ميزات كالجنسية السورية، وإما بالحلول العسكريّة.
في العمق يعتقد المسلحون الفرنسيون إنّ العملية جاءت نتيجة اتفاق أبرمته سلطة دمشق مع الاستخبارات الفرنسيّة التي تطالب برؤوسهم خشية من عودة محتملة لهؤلاء إلى فرنسا، وتأتي في سياق لا ينفصل عن التعهدات التي قدمتها الحكومة لدول الغرب بشأن التخلص من ملف المتطرفين “الجهاديين” بالتضييق عليهم وصولاً إلى تحييدهم.
أحمد زيدان المستشار الإعلاميّ لرئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع اعتبر الاشتباكات ضد أشخاص خارجين عن القانون في حارم بمحافظة إدلب، بسبب إصرارهم على عدم الامتثال لسلطة القانون، وليس لكونهم “مسلحين أجانب”، هذه المعاملة نفسها سيواجهها السوري لو فعل الأمر نفسه… وكان زيدان مدافعاً عن منح المسلحين الأجانب الجنسية السوريّة.
خلايا وتغلغل تركيّ
ذكر تقرير مونيتور نورديك صدر في 12/3/2025، إنّ المخابرات التركيّة انتقت عدداً من المسلحين ونظمتهم في خلايا سريّة في سوريا لاستخدامهم وكلاء في الخارج. وفق مصادر فالخطة تتضمن نشر عملاء مدربين لتخويف بلدانهم الأصليّة أو بلدان أخرى وفق مقتضيات الأهداف السياسيّة والاستراتيجيّة للحكومة التركيّة. لم تتمكن المصادر من تحديد عدد الأفراد الذين تم اختيارهم من بين العدد الكبير من المجندين المحتملين، لكنها أشارت إلى أن هؤلاء العملاء مُنظَّمون في خلايا صغيرة مُقسّمة، كل منها مُزوَّدة بأغطية معقولة لتظلّ غير ظاهرة في الوقت الحالي. وسيتم إعادة تفعيلهم عندما تسعى حكومة أردوغان إلى استخدامهم كورقة مساومة مع مُحاوريها الدوليين.
وقد تم تأكيد حجم الموارد البشرية التي استغلتها تركيا لمثل هذه الخطط ــ ربما عن غير قصد ــ للمرة الأولى في 25/1/2025 من قبل وزير الخارجية التركيّ هاكان فيدان، الذي أشرف على الملف السوري بصفته رئيساً لوكالة الاستخبارات التركيّة ما بين عامي 2010 ــ 2023، وقال في مقابلة مع صحيفة الشرق السعودية: “في سوريا، توجد مجموعات مقربة من تركيا تضم أكثر من 80 ألف عنصر مسلح. ودون تردد، طلبنا منهم الانضمام إلى الجيش الوطنيّ.
تشرف مديرية العمليات الخاصة في الاستخبارات التركيّة على التخطيط السريّ ويقودها ضابط سابق اسمه كمال إسكنتان، المعروف باسم “أبو الفرقان” وقد لعب دوراً محوريّاً في تسهيل الدعم التركيّ السري للمجموعات المتطرفة، في سوريا، وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط وإفريقيا. ويتعاون جهاز الاستخبارات التركيّ مع مواطنين أتراك تم تجنيدهم كعناصر محوريّة في الجهاز. ومن بينهم عمر جفتشي، المعروف باسم “مختار التركيّ”، الذي مُنح رتبة عميد في الجيش السوريّ الجديد بالقرار 8 الصادر في 28/12/2024. إلى جانب خمسة آخرين بينهم ألبانيّ وأردنيّ وطاجيكيّ وإيغوريّ. ومُنح جفتشي الجنسية السورية، وأُدرج اسمه في القرار باسم عمر محمد جفتشي. وتم تبرير الترقيات بأنّها ضروريّة لحماية الدين والوطن.
جفتشي (45 سنة) متطرف تركيّ مولود في ولاية عثمانية التركيّة، بدأ مسيرته القتالية في أفغانستان عام 2004. وأصبح أحد الداعمين الرئيسيين لهيئة تحرير الشام.
وهيئة تحرير الشام ليست الجماعة الوحيدة المستهدفة بعمليات تجنيد الاستخبارات التركيّ لتنفيذ خطتها السريّة، بل تستهدف أيضاً تنظيم حراس الدين، التابع لتنظيم القاعدة، والذي يُقدر عدد عناصره بما بين 1500 ــ 2000 عنصر، وقد واجه التنظيم ضغوطاً كبيرة في الأشهر الأخيرة من القيادة المركزيّة الأمريكيّة (سنتكوم) التي قتلت عدداً من كبار قادته في غارات بطائرات مسيرة. ومن القتلى التركيّ محمد يوسف ضياء تالاي، ويُعرف باسم جعفر التركيّ. وكانت الاستخبارات التركيّة قد جنّدته لتنفيذ عمليات سريّة في سوريا. وشكّل مقتله ضربة موجعة لعمليات الجهاز، وعطّل جهوده بالمنطقة.
فرسان محمد
لا يزال العدد الدقيق للمتطرفين الأتراك في سوريا مجهولاً. إلا أنّ موقع “نورديك مونيتور” نشر وثيقة سريّة للاستخبارات العسكرية التركيّة في أيار 2019 وكشف أنّ 4671 متطرفاً تركيّاً سافروا إلى سوريا حتى تموز 2016.
بينما تُخفي بعض الجماعات المسلحة في سوريا هويات أعضائها الأتراك، لا يتورع البعض الآخر عن إظهارها، فعلى سبيل المثال، تشارك مجموعة “فرسان محمد” منشورات لها باللغة التركيّة عبر منصات التواصل الافتراضي وقناة تلغرام. ويُعد “موسى أولغاتش” أبرز شخصيات الجماعة، وتناولت إحدى منشورات “فرسان محمد” قرارها إرسال عناصر مسلحة إلى مدينة بانياس، خلال الأحداث التي شهدها الساحل السوريّ، في آذار الماضي.
بعد سقوط النظام السوري السابق؛ انتشر مقطع مصوّر لمجموعة ضمت نحو ثلاثين شخصاً بالزيّ العسكريّ في ساحة المسجد الأمويّ بدمشق، وألقى أحدهم بياناً باللغة التركيّة، وتضمن عبارات تحيي “أهل الجهاد والنصر المؤزر الذي حققوه”. ورغم أن هذه المشاهد تكررت عبر مجموعات مسلحة شبيهة، إلا أن اللغة التركيّة التي استُخدمت في البيان كانت لافتة، وميّزت هذه المجموعة عن غيرها.
تولي الاستخبارات التركيّة اهتماماً خاصّاً للجماعات الجهاديّة الأوروبية مثل كتيبة الغرباء، الجماعة الناطقة بالفرنسيّة كما ترصد جماعة أجناد القوقاز، والتي تضم مسلحين من منطقة القوقاز، وخاصةً الشيشان وداغستان وأجزاء أخرى من شمال القوقاز. وتسعى الاستخبارات التركيّة إلى أن توفر حكومة الشرع، بهدوء، المأوى والدعم اللوجستيّ والتدريب لوكلائها في سوريا، والحفاظ على مسافة آمنة لضمان إنكار المسؤوليّة. ويهدف هذا النهج إلى حماية مكاسب كلّ من تركيا وهيئة تحرير الشام، ومنع أيّ إجراءات قد تُعرض مواقعهما للخطر أو تثير أزمة للحكومة الجديدة في دمشق، التي تواجه بالفعل تحديات عديدة.
بحسب مونيتور نورديك سجل الاستخبارات التركيّة سيء السمعة في عمليات الخداع وحملات التأثير والمراقبة داخل تركيا وخارجها. وكانت الهجمات الإرهابيّة المتعددة التي وقعت عام 2015 بمثابة عقود عمل مُنحت لوكلاء في جماعات إرهابيّة، بما في ذلك داعش، من قبل الجهاز لمساعدة أردوغان على استعادة أغلبيته البرلمانيّة المفقودة. ولم يتردد الجهاز في شنّ عملية احتيال دموية في تركيا عام 2016 بتدبير محاولة انقلاب زائفة، أدت بالنهاية إلى ترسيخ سلطة أردوغان.
No Result
View All Result