No Result
View All Result
أكرم بركات (صحفي)
في خضم التعقيدات المتشابكة التي تحكم المشهد السوري، يبرز ملف “المسلحين الأجانب” أو كما يعرفون بالجهاديين الأجانب، كأحد أخطر التحديات التي تهدد ليس فقط استقرار المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، بل مستقبل سوريا برمّتها. وما حدث مؤخراً في مخيم حارم بإدلب لم يكن مجرد عملية أمنية ضد جماعة متطرفة، بل كان بمثابة إنذار صارخ يُعيد فتح هذا الملف الملتهب، ويكشف هشاشة التوازنات العسكرية والسياسية في شمال البلاد.
حارم: نقطة التحوّل في أزمة المسلحين الأجانب
العملية الأمنية التي نفذتها الحكومة الانتقالية في سوريا والتي يترأسها “هيئة تحرير الشام” في مخيم حارم ضد مجموعات ما تسمى بـ”جهادية أجنبية”، أعادت تسليط الضوء على وجود نحو سبعة آلاف مسلح أجنبي في سوريا، معظمهم يتمركزون في إدلب وأرياف الساحل. هؤلاء لا يتوافقون مع توجهات الحكومة الانتقالية، بل إن بعضهم يعتبر أن متزعم الهيئة أحمد الشرع (المعروف بالجولاني) قد “ضلَّ الطريق”، خاصةً بعد رفضه الانضمام إلى وزارة الدفاع التابعة للحكومة الانتقالية.
الخطير في الأمر أن هذه المجموعات بدأت تلوّح بالانتقال إلى “الضفة الأخرى”، أي إلى مرتزقة داعش، في حال استمرت الضغوط الأمنية ضدها. وهو احتمال لا يمكن استبعاده، خصوصاً في ظل التوترات المتصاعدة والانقسامات داخل المجموعات المتطرفة والمتشددة.
تحركات ميدانية واستنفار غير مسبوق
تفجير أحداث حارم أحدثَ صدىً واسعاً في أوساط المسلحين الأجانب، إذ رفعت معظم المجموعات المتطرفة والمتشددة جاهزيتها العسكرية، وأظهرت استعداداً للتصعيد. التحركات لم تقتصر على إدلب، بل امتدت إلى أرياف الساحل وحتى دمشق، في محاولة لإظهار وحدة الموقف ضد أي حملة أمنية تستهدفهم.
هذا الاستنفار يعكس حجم التهديد الذي تمثله هذه المجموعات، وقدرتها على التحرك السريع والتنسيق، رغم اختلاف جنسياتها وأيديولوجياتها.
خريطة المجموعات: تنوع جنسياتي وفكري
تتنوع مجموعات المرتزقة الأجانب في سوريا من حيث الجنسيات والخلفيات الفكرية، ومن أبرزها:
1ـ حزب التحرير الإسلامي التركستاني: يتألف بشكلٍ أساسي من عناصر من الإيغور القادمين من الصين، ويضم قرابة 2500 عنصراً، وهو الفصيل الأكبر ضمن مجموعات العناصر المتشددة الأجنبية.
2ـ تنظيم حراس الدين: يضم عناصر أردنيين ومغاربة وتونسيين ومصريين وأتراكاً. يضم نحو 800 عنصراً، لكن “هيئة تحرير الشام” قامت بشن حملات أمنية عديدة ضده، أدت إلى إضعافه، ثم انقسم إلى عدة مجموعات صغيرة.
3ـ كتيبة المجاهدين الغرباء: تضم عناصر من الإيغور، والطاجيك، الأوزبك، وعناصر من جنسيات فرنسية وعربية. لا يتجاوز عدد عناصرها 800 عنصراً، واندمجت في هيئة تحرير الشام تحت مُسمى “لواء عمر بن الخطاب”.
4ـ كتائب أجناد القوقاز: كانت تحمل اسم “مجاهدو الشيشان”، وتضم نحو 250 عنصراً.
5 ـ مهاجرو أهلِ السنة الإيرانيين: ويضم مجموعة من الإيرانيين والبلوش والفرس والتركمان السنة، ولا يتجاوز عددهم 150 عنصراً.
أزمة وجودية تهدد حكومة الشرع
ما جرى في حارم لا يمكن فصله عن الأزمة الوجودية التي تواجهها حكومة أحمد الشرع، والتي تجد نفسها بين مطرقة المطالب الدولية للتخلص من المسلحين الأجانب، وسندان التهديدات الداخلية من مجموعات لا تعترف بشرعيتها. فواشنطن وعواصم أوروبية عدة ترى أن استمرار وجود هؤلاء المقاتلين يشكّل خطراً إقليمياً ودولياً، وتضغط باتجاه تفكيكهم أو دمجهم في كيانات منضبطة.
زيارة الشرع إلى موسكو وباريس كانت مثقلة بملفاتٍ شائكة، أبرزها ملف المسلحين الأجانب. فروسيا، التي تخشى تمدد الشيشان والأوزبك والطاجيك نحو القوقاز، وفرنسا، التي تراقب تحركات المغاربة والتونسيين، مارستا ضغطًا مباشرًا على الشرع لتفكيك هذه المجموعات أو احتوائها. وفي الخلفية، لوّحت الصين باستخدام الفيتو في مجلس الأمن ما لم تُبعد الحكومة الانتقالية المسلحين الإيغور من صفوفها.
ورغم هذا الطوق الدولي المُحكم، فإن الشرع، المعروف بولائه لأردوغان ونهجه البراغماتي المتأرجح بين الداخل والخارج، لم يقدّم أي خطة واضحة، مكتفيًا بوعود فضفاضة زادت الشكوك بدل أن تبددها. غير أن هذا الضغط، مهما بلغ منسوبه، يصطدم بواقع ميداني شديد التعقيد، حيث تتمتع بعض هذه المجموعات المتشددة بنفوذٍ عسكري واسع وقدرة فعلية على قلب المعادلات في إدلب ومحيطها، ما يجعل أي محاولة للتفكيك أو الاحتواء أقرب إلى المناورة منها إلى التنفيذ.
خطة مُثيرة للجدل: دمج المسلحين في الجيش النظامي
في تطورٍ لافت، كشفت وكالة “رويترز” في حزيران عن خطة سوريّة لضم نحو 3500 عنصراً أجنبياً، معظمهم من الإيغور، إلى صفوف الجيش النظامي في الحكومة الانتقالية ضمن الفرقة 84 التي شُكّلت حديثاً، ووفقاً لمصادر في وزارة الدفاع التابعة للحكومة الانتقالية، فإن الشرع وعدداً من المقربين منه يسعون لإقناع الأطراف الغربية بأن إدماج هؤلاء العناصر قد يكون وسيلة فعالة لمنع انضمامهم إلى تنظيماتٍ متطرفة مثل القاعدة أو داعش.
هذه الخطة، رغم ما تحمله من منطق أمني، أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السوريّة، إذ عدَّها البعض محاولة لإعادة تدوير الخطر بدلاً من تفكيكه، بينما رأى آخرون فيها خطوةً اضطرارية في ظل غياب البدائل.
مستقبل غامض… وحل سياسي غائب
يبقى ملف المسلحين الأجانب أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في المشهدِ السوري، إذ يشكّلون تهديدًا أمنيًا دائمًا، وفي الوقت نفسه ورقة نفوذ تُوظّف في صراعات إقليمية ودولية. وبين من يدعو إلى تفكيكهم، ومن يسعى إلى دمجهم، ومن يلوّح باستخدامهم كورقة ضغط، تظل سوريا رهينة لهذا الملف الذي بدأ بكارثة، وقد ينتهي بكارثة أكبر إذا لم يُعالج بحكمة وشفافية.
هذه الأزمة لا يمكن فصلها عن السياق السياسي العام، ولا تفكيكها بمعزل عن حل شامل للأزمة السوريّة، فالمخرج الوحيد يمرّ عبر مؤتمر حوار وطني حقيقي، تنبثق عنه حكومة انتقالية تمثّل جميع الشعوب، وتُمنح صلاحيات كاملة، في ظل دستور عصري وانتخابات شفافة. عندها فقط يمكن التعامل مع ملف “المسلحين الأجانب” كجزءٍ من عملية تفكيك شاملة للعنف، لا كأداة مساومة أو إدارة مؤقتة للأزمات. دون ذلك، ستبقى سوريا رهينة هذا الملف، وتستفحل معاناة شعبها، ويظل المستقبل معلّقًا في ضباب العنف واللاشرعية.
No Result
View All Result