No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف – من مدينة قامشلو، فنانة صقلت الحديد لينبض بالمشاعر بين أناملها، اختارت لنفسها مساراً مختلفاً في التعبير الفني، مستخدمةً الأسلاك المعدنية كوسيلة لتحويل الأفكار إلى مجسمات تنبض بالحياة والمشاعر.
في ركنٍ هادئ من الضوء، تتدلّى الأرواح من خيوط الحديد. هنا، لا تُنحَت الملامح بالصلصال أو الرخام، بل تُولَد من الأسلاك الملتفّة كنبضٍ متجمّد، يشهد أنّ الفن ليس شكلاً فقط، بل وجعاً يلتفّ حول المعنى حتى يصنع له جسداً.
في أحد أعمالها يمتطي فارسٌ حصانه الذهبيّ، كأنّه يقطع صحراء الذاكرة لا الأرض، جسده من المعدن، لكنّ في وقفته كبرياء إنسانٍ يواجه الغياب. كل لفة سلكٍ على هيئته تحكي عن زمنٍ مرَّ، عن رحلةٍ لا نهاية لها، وعن بريقٍ خافتٍ من الأمل وسط الغبار.
وفي مجسم آخر، جلست امرأة في سكونٍ شفيف، تضمّ آلة موسيقية بين ذراعيها كما يُضمّ طفلٌ إلى صدر أمّ، الأسلاك التي تُشكّل شعرها المتدلّي وأصابعها الدقيقة توحي بأنّ الموسيقا لا تُعزَف بالأوتار، بل تُستخرج من عمق الألم، في ملامحها المعدنية دفءٌ غريب، كأنّ الفن وحده ما أبقى على إنسانيتها.
أما العمل الثالث، فيحمل صراعاً صامتاً بين جسدين موصولين بخيوطٍ من حديد أسود كأنهما يحاولان الابتعاد، لكنّ الألم يشدّ أحدهما إلى الآخر. تلك الأسلاك المتشابكة ليست مجرد معدنٍ بارد، بل هي تجسيدٌ لعلاقاتٍ تقيّدنا، وتربطنا بمن نحبّ رغم محاولات الفكاك. كل قطعة من هذه الأعمال تنبض بحكاية عن ارتباط الإنسان بما حوله، وعن محاولته الدائمة أن يقول شيئاً، حتى وإن كان صوته من سلكٍ معدنيّ.
من الإلهام إلى الاكتشاف
بدأت “ليلان جمعة“، مشوارها الفني مع النحت بالأسلاك في عام 2024، بعد أن تأثرت بأعمال فنان أجنبي رأت فيها شيئاً مختلفاً: “أعجبتني المادة، وشعرت أنّها تمنحني حرية كبيرة في التعبير عن أفكاري. بدأت بالتجربة، ونجحت. ومن هنا، بدأت أكتشف موهبتي في النحت بهذه التقنية”.
ورغم أنّها لم تدرس الفن أكاديمياً، إلا أنّ الشغف كان رفيقها منذ الطفولة لطالما أحبت الرسم، وتطورت مهاراتها تدريجياً بالممارسة الذاتية والتجربة المستمرة.
تعتبر ليلان النحت وسيلة تتجاوز مجرد التشكيل، إذ ترى فيه وسيلة حقيقية للتعبير عن ذاتها: “النحت يجعل خيالي شيئاً ملموساً. أحب أن أنقل من خلاله أفكاري الداخلية، وأجسد قصصاً من حياتي وحياة الناس من حولي. أسعى لأن تكون أعمالي مرآة لي، وفي الوقت ذاته، قريبة من قلوب المتلقين”.
مادة صلبة بروح مرنة
تُعد الأسلاك المعدنية خامة غير مألوفة في مجال النحت الفني، لكنها أصبحت توقيعاً خاصاً في أعمال ليلان: “الأسلاك صلبة، والعمل بها يحتاج إلى تركيز عالٍ، ودقة، وأدوات خاصة مثل القواطع، والكماشات، والمطارق. لكنه في المقابل، يمنحني قدرة على التشكيل الحر بطريقة مميزة وغير تقليدية”.
وترى ليلان أنّ التحدي الأكبر في النحت بالأسلاك هو في المرحلة الدقيقة للتفاصيل، التي تتطلب صبراً ومهارة يدوية عالية.
أنجزت ليلان عدداً من المجسمات التي تعتز بها جميعاً، لكن مجسم “عازفة التشيللو” يبقى الأقرب إلى قلبها: “أنجزته بكل حب، وكان عملاً مميزاً فعلاً، لا من حيث الفكرة فقط، بل من حيث الإحساس الذي وضعته فيه”.
تُقرّ ليلان بأنّ بداياتها لم تكن سهلة، لا سيما في تأمين الأدوات والتعامل معها، لكنها اليوم باتت أكثر خبرة، وأصبحت قادرة على التحكم بوسائلها الفنية وتطويعها لتخدم رؤيتها.
وحول مستقبلها، لا تخفي طموحها في نقل هذه التجربة للآخرين، وتعليم هذا الفن للشباب الراغبين في التعبير عن أنفسهم بوسائل جديدة.
ترى ليلان أنّ مستقبل الفن مرتبط بثقافة المجتمع واهتمامه بالإبداع. وتضيف: “أتمنى أن نشهد اهتماماً أكبر بالفن في منطقتنا، لأنّه يعبّر عن ذواتنا، ومشاعرنا، وحياتنا. كل عمل فني يترك أثراً في أرواحنا”.
ورغم التحديات، تؤمن ليلان بأنّ هناك جمهوراً متعطشاً للفن المختلف:
“ألاحظ اهتماماً متزايداً من الناس بأعمال فنية تعبّر عنهم وتلامس مشاعرهم. وهذا يشجعني على الاستمرار وتقديم الأفضل دائماً”.
No Result
View All Result