زاوية بصمة امرأة ـ حنان عثمان
يأتي اسم الشهيدة “كولناز كاراتاش”، المعروفة باسم “بيريتان”، كعنوان مميز في مسار حركة حرية المرأة الكردية، ليس فقط لبطولتها الفردية، بل للدور الذي مثّلته في إعادة تعريف موقع المرأة في النضال التحرري. بيريتان تنتمي إلى مدرسة نضالية اعتبرت المقاومة خيارها الوحيد في مواجهة الاحتلال، وقدّمت نموذجاً فعلياً للمرأة التي تمسك بخيار الحرية بلا تردّد، وتحوّل جسدها وروحها إلى جدار صدّ ضد كل أشكال الاستعباد.
ولدت بيريتان في مرحلة مضطربة من تاريخ الشعب الكردي، حيث كانت الهجمات والقمع يطاولان كل صوت يطالب بالحق والهوية. انخرطت في صفوف الحركة التحررية بإيمان صلب. عُرفت بين رفاقها بقوة الشخصية والصلابة الفكرية، ولم تكن مجرد مقاتلة تقليدية، بل كانت قوة فاعلة في صياغة رؤية جديدة لدور المرأة داخل الحركة التحررية وخارجه.
شهر تشرين الأول يحمل في ذاكرة الحركة النسائية الكردية مكانة خاصة، إذ يُعرف بـ شهر الشهيدات. خلاله ارتقت العديد من المناضلات اللواتي خضن معارك شرسة ضد الاحتلال، وسطرن بدمائهن تاريخاً جديداً للمرأة في كردستان والمنطقة. بيريتان واحدة من أبرزهن، إذ ارتقت في لحظة تاريخية فارقة، حيث فضّلت الشهادة على الوقوع في أسر العدو، لتكتب قصة صمود لا تزال تتردد حتى اليوم في كل الساحات.
في شخصية بيريتان تتجلى فلسفة المقاومة التي امتدت عبر أجيال من الشهيدات. كما فعلت الشهيدة بسي التي قالت لا للاستسلام، وكما فعلت رندى خان التي رفضت الخنوع والاستسلام، واصلت بيريتان هذا النهج المقاوم، مؤكدة أنّ التضحية مسار نضالي مستمر سيظل حيّاً ما دام هناك من يؤمن بالحرية ويرفض الخيانة.
تميّزت بيريتان بفكر ثوري عميق، وتؤمن بأنّ المرأة عنصر قيادي قادر على قلب نتائج المعارك. ومن هذا المنطلق، ساهمت شخصيتها وتجربتها وطريقة شهادتها في تأسيس جيش المرأة، خطوة تاريخية أعطت المرأة فضاء مستقلاً ورمزاً لقوتها الذاتية. لم يكن تأسيس الجيش مجرد إجراء عسكري، بل تكريم لتضحيات الشهيدات اللواتي أثبتن أنّ المرأة حين تتسلح بالفكر الحر والإرادة تصبح قادرة على حماية نفسها وقيادة مجتمعها وصناعة مستقبل مقاوم لا يستسلم.
خلال أحداث عام 1992، برز خطان متناقضان: الأول خط بيريتان الذي يجسد المقاومة والإيمان والتضحية، ويقاتل حتى النهاية؛ والثاني خط الخضوع والخيانة الذي يفتقر للإيمان بالشعب والانتصار، ويبحث عن النجاة الفردية عبر التحالف مع القوى المعادية. اختارت بيريتان مواجهة العدو دون مساومة، لتتحول إلى رمز للمقاومة، ودليل على أنّ التحرر لا يقبل التردد والاستسلام.
إرث بيريتان المقاوم سيبقى حاضراً في ميادين الدفاع الذاتي وفي صفوف آلاف المقاتلات اللواتي يمضين على الطريق نفسه بثقة راسخة. حضورها لا ينحصر في ذكراها السنوية، بل يتجدد كل يوم في مواقف النساء اللواتي يرفعن راية الحرية ويمضين قدماً رغم الصعوبات. شهر تشرين، شهر الشهيدات، يبقى عهداً دائماً بأنّ القضية التي ضحّت من أجلها الشهيدات ستبقى حيّة ومتجذرة في وجدان الشعوب عامّة والنساء خاصة.
من خلال شخصية بيريتان، أثبتت حركة حرية المرأة الكردية أنّ الثورة الحقيقية تبدأ حين تدرك المرأة قدرتها، وتختار أن تكون صاحبة قرارها، وشريكة كاملة في صناعة المستقبل. بيريتان ليست مجرد شهيدة، بل إرادة مستمرة للحرية وإرث حيّ يلهب عزيمة كل من يسعى للمساواة والتحرر.