No Result
View All Result
محمد عيسى
منذ سقوط النظام السوري السابق في كانون الأول 2024، وسوريا تعيش مخاضاً عسيراً لإعادة بناء مؤسساتها العسكريّة التي كانت، على مدى نصف قرن، أحد أهم ركائز الدولة السلطويّة ومصدر قوتها وبطشها في الوقت نفسه. فالجيشُ السوريّ الذي كان يُقدَّم طوال عقود باعتباره “الجيش العربيّ السوريّ” لم يكن سوى ذراع أمنيّة للنظام، وأداة تكريسِ الولاء السياسيّ، لا لحمايةِ الحدود أو الدفاع عن الشعب. واليوم، بعد انقشاعِ غبارِ الحرب الطويلة، تُطرح الأسئلة الكبرى من جديد: أي جيشٍ تحتاجه سوريا الجديدة؟ ومن يملك حق تمثيل الوطن وحمايته بعدما أصبح كثير من البنادق موجّهاً ضد السوريّين أنفسهم؟
في دمشق، تتحدث الحكومة الانتقاليّة عن “جيشٍ وطنيّ موحّد”، لكن هذا الشعار الفضفاض يخفي في طيّاته تناقضاتٍ عميقةً، إذ يتوزع المشهد العسكريّ في البلاد بين تشكيلاتٍ متباينةِ الولاءاتِ والانتماءات، بعضها يدعمه الاحتلال التركيّ مباشرةً وتوجهه سياسيّاً من غرفها الأمنيّة، وبعضها الآخر ما يزال مرتبطاً ببقايا الأجهزة القديمة التي لم تُحلّ بالكامل بعد انهيار النظام. أما في المقابل، فتبرز قوات سوريا الديمقراطيّة “قسد” في شمال وشرق البلاد نموذجاً استثنائيّاً، ليس فقط لأنها صمدت في وجه الإرهاب والحرب، بل لأنها استطاعت أن تُنضج هويةً وطنيّة متعددة الشعوب، وتُشكّل نواة لجيش ديمقراطيّ يعبّر عن تطلعات السوريّين في الحرية والعدالة والمواطنة.
الجيش السوريّ.. إرث الماضي في ثوبٍ جديد
منذ أن تسلّمت الحكومة الانتقاليّة مهامها في أوائل عام 2025، حاولت إظهار نفسها أنّها تعيد تنظيم المؤسسة العسكريّة تحت شعار “الجيش الوطنيّ السوريّ”، لكن سرعان ما تبيّن أنَّ المسألة أعقد بكثير من مجرد إعادة هيكلة أو دمج شكليّ للمجموعات. فالمشكلة الجوهريّة كانت – ولا تزال – في طبيعة الولاءات، إذ إن كثيراً من الوحدات التي أُدرجت ضمن التشكيل الجديد جاءت من مجموعات مسلحة كانت تعمل سابقاً بإمرة أنقرة، أو تتلقى دعماً مباشراً من الاستخبارات التركيّة، خصوصاً في ريف حلب الشماليّ وإدلب وجرابلس وعفرين.
هذه المجموعات، التي لطالما ارتبطت بارتكاب انتهاكات ممنهجة بحق المدنيين، ما زالت تمارس سلوكها ذاته، وإن تحت مسمّى رسميّ جديد. فالتقارير الميدانيّة الصادرة عن منظمات محليّة ودوليّة تؤكد أنّ حالات الاعتقال التعسفيّ والابتزاز والنهب لم تتوقف، بل ازدادت بعد إعلان “الجيش الموحد”، بذريعة “ضبط الأمن” أو “محاربة العناصر المنفلتة”، وهي عبارات تُستخدم لتبرير استمرار الفوضى والتسلّط.
وفي أكثر من مرة، أصدرت وزارة الدفاع في الحكومة الانتقاليّة بيانات تعلن فيها “إحالة بعض العناصر للتحقيق” بسبب تجاوزات، لكن هذه البيانات كانت تنتهي إلى لا شيء، وكأن هناك إرادة خفية لإبقاء هذه المجموعات في المشهد العسكريّ لأسباب تتعلق بالتوازنات السياسيّة الإقليمية، لا بالمصلحة الوطنيّة.
الوجود التركيّ في الشمال السوريّ لم يتوقف بسقوط نظام الأسد، بل تمدد بصورةٍ جديدةٍ عبر المجموعات التي درّبتها وسلّحتها أنقرة خلال سنوات الحرب. وهذه المجموعات، التي كانت تُعرف سابقاً بـ”الجيش الوطنيّ السوريّ” التابع للحكومة الانتقالية الموالية لأنقرة، أصبحت اليوم جزءاً من “الجيش السوريّ الجديد” شكلياً، لكنها عمليّاً ما تزال ترتبط بالاستخبارات التركيّة وتتحرك وفق أجنداتها.
المدن السوريّة المحتلة من قبل تركيا – مثل عفرين والباب وجرابلس وسري كانيه وكري سبي/ تل أبيض – ما تزال تشهد انتهاكات يوميّة، من مصادرة الممتلكات وتهجير السكان الأصليين إلى فرض اللغة والعملة التركيّة في الدوائر الرسمية. ورغم الوعود المتكررة من دمشق بأنّ “جميع القوات الأجنبيّة ستُخضع لسلطة الدولة”، إلا أنّ الواقع يؤكد أنّ اليد التركيّة هي الطولى في تلك المناطق.
ويذهب مراقبون إلى القول إنّ إدماج هذه المجموعات في “الجيش السوريّ الجديد” لم يكن سوى عملية تجميليّة تهدف إلى إعطاء شرعيّة لوجودها، بينما الحقيقة أنّها ما تزال تمثّل ذراعاً تركيّة تعمل داخل الجسد السوريّ، وتُشكّل تهديداً مباشراً لأيّ مشروع وطنيّ مستقلٍ.
اللافت أنّ هذه المجموعات لم تتردد في استهدافِ القوى التي قاتلت الإرهاب لسنوات، بما في ذلك مواقع لقوات سوريا الديمقراطيّة، مستغلة هشاشة الوضع الأمنيّ في بعض المناطق الحدوديّة، ما يُظهر بوضوح أنّ “العدو الداخليّ” بالنسبة لها ليس الإرهاب أو الفوضى، بل كلّ قوةٍ لا تدين بالولاء لأنقرة أو لمراكز القرار القديمة في دمشق.
قسد نموذج لجيشٍ وطنيّ تعدديّ
على الضفة الأخرى من الفوضى، يقف نموذجٌ مختلف تماماً: قوات سوريا الديمقراطيّة. فمنذ تأسيسها عام 2015 في خضم النضال ضد مرتزقة داعش، أثبتت قسد أنّها ليست مجرد تشكيل عسكريّ، بل مشروع وطنيّ شامل يجمع بين البعد العسكريّ والسياسيّ والاجتماعيّ.
تشكلت قسد من مقاتلين كرد وعرب وسريان وتركمان، ومن رجال ونساء حملوا السلاح دفاعاً عن قراهم ومدنهم في وجه الإرهاب والفوضى. وهذه التركيّبة المتنوعة لم تكن مجرد شعار، بل ممارسة واقعيّة انعكست في بنية القيادة والتنظيم والإدارة.
اليوم، وبعد مرور عقد من الزمن على تأسيسها، تحوّلت قسد إلى نموذج فريد لجيشٍ وطنيّ غير إقصائيّ، يحمي جميع الشعوب دون تمييز، ويعتمد في هيكليته على مبادئ التشاركيّة والمساءلة والانضباط.
من لواء الشمال الديمقراطيّ الذي يضم مقاتلين عرباً من ريف حلب، إلى المجلس العسكريّ السريانيّ، مروراً بوحدات حماية المرأة ووحدات حماية الشعب التي أصبحت رمزاً عالميّاً للنضال والمساواة، تُقدّم قسد مثالاً عمليّاً على ما يمكن أن تكون عليه سوريا المستقبل: جيشٌ يدافع عن الإنسان لا عن السلطة.
ورغم التحديات الاقتصادية والحصار المفروض من أكثر من جهة، ما تزال مناطق شمال وشرق سوريا أكثر استقراراً من بقية المناطق السوريّة. فمعدلات الجريمة فيها شبه معدومة، كما أن المؤسسات المدنية تعمل بشكلٍ منظم وتخضع لرقابة ديمقراطيّة محليّة.
قوى الأمن الداخليّ (الأسايش) تعمل بالتنسيق مع قوات سوريا الديمقراطيّة في ضبط الأمن ومنع عودة خلايا داعش، في حين تُدار شؤون المناطق عبر مجالس محليّة منتخبة تمثل الشعوب كافة.
هذا النموذج، رغم كل العقبات، أظهر أنّ الجيش الوطنيّ الحقيقيّ هو ذاك الذي ينبع من المجتمع ويعمل لخدمته، لا من الأجهزة التي تفرض عليه الولاء بالقوة.
جيش بلا هوية وفتنةٌ بلا رادع
ومن جهةٍ أخرى، تبدو الصورة في بقية الجغرافيا السوريّة على النقيض تماماً. فمنذ مطلع عام 2025، لم تهدأ بؤر التوتر في المحافظات الخاضعة اسمياً لسلطة الحكومة الانتقاليّة، إذ سرعان ما تحوّلت تلك المناطق إلى ساحات صراع داخليّ بين المجموعات المنضوية تحت ما تبقّى من وزارة الدفاع، في ظلّ غياب قيادة مركزيّة قادرة على ضبط السلاح أو كبح الولاءات المتصارعة.
في آذار 2025، شهد الساحل السوريّ واحدة من أكثر الفصول الدمويّة منذ سقوط النظام، حين وقعت أعمال عنفٍ واسعة على خلفية طائفيّة من قبل مجموعات مسلّحة محسوبة على “الجيش الجديد” نفسه، لتتحول القرى والبلدات العلويّة في جبلة وبانياس وريف اللاذقية إلى جبهاتٍ مفتوحة. سرعان ما خرجت الأمور عن السيطرة، إذ سُجّلت عمليات قتل ممنهج على خلفيات مذهبية، وحالات انتقام جماعيّ طالت عائلات بأكملها، إلى جانب إحراق مئات الدونمات من الأراضي الزراعيّة والغابات في ريف اللاذقية، في مشهدٍ وصفته منظمات محليّة بأنه “حرب تصفية داخل الجيش نفسه”. الجهات الرسميّة اكتفت حينها ببياناتٍ غامضة تحدثت عن “عناصر غير منضبطة”، فيما أظهرت التحقيقات الميدانيّة أن معظم المتورطين ينتمون إلى مجموعات تموّلها أطراف سياسيّة داخل الوزارة ذاتها، وتتنافس على النفوذ ومصادر التمويل.
أما في الجنوب، فقد كانت السويداء على موعدٍ مع مأساة جديدة في تموز 2025، حين شنّت مجموعات تُطلق على نفسها اسم “قوات العشائر”، والمدعومة من بعض أجنحة وزارة الدفاع، هجوماً واسعاً على أحياء المدينة وبلداتها الشرقيّة، ما أدى إلى مقتل عشرات المدنيين والعزّل، بينهم أطباء ومسعفون. تحوّلت السويداء في تلك الأيام إلى مدينة منكوبة، بعدما انسحبت وزارة الدفاع من المنطقة تاركة الفوضى والخراب، التي أشعلت فتنةً طائفيّة خطيرة بين أبناء الجبل وجيرانهم، في محاولةٍ لإعادة إنتاج معادلات السيطرة القديمة تحت غطاء “استعادة الأمن”. كانت النتيجة انهياراً كاملاً للثقة بين السكان والسلطة الانتقاليّة، وعودة شبح الحرب الأهليّة بأشكالٍ جديدة، تُظهر أنّ “الجيش الوطنيّ” المزعوم لم يتحول بعد إلى مؤسسةٍ حامية للشعب، بل إلى مظلةٍ تتستر تحتها المجموعات المتناحرة والولاءات الضيقة.
معايير الوطنيّة ثابتة
في خضم هذا الواقع، تأتي تصريحات عضو القيادة العامة لقوات سوريا الديمقراطيّة، سيبان حمو، لتضع النقاط على الحروف. وتوضح الأمور على شكلها الصحيح للشعب السوريّ والرأي العام، ففي مقابلة مطولة مع المركز الإعلاميّ لقسد، أكد حمو أن قوات سوريا الديمقراطيّة مستعدة للانضمام إلى الجيش السوريّ الجديد، ولكن على أساس احترام هويتها ونضالها، لا على أساس الذوبان في مؤسسات لم تتخلّ بعد عن ذهنيّة النظام السابق.
وقال حمو بوضوح إنَّ “بناء جيش وطنيّ جديد لا يمكن أن يتم دون مشاركة قسد”، لأنَّ هذه القوات تمثّل تجربة عمليّة في التنظيم والانضباط والتنوع، بينما لا تزال بعض الأطراف في دمشق تفكر بعقليّة الإقصاء والاحتكار.
وأشار إلى أنّ الاجتماع الأخير مع مسؤولين حكوميين في دمشق سادته أجواء إيجابيّة، لكنه لم يسفر عن اتفاقات مكتوبة، مؤكداً أن “الوعود الشفهيّة لا تكفي لبناء الثقة”، وأنّ “الخطوات القادمة ستحدد ما إذا كانت عملية الدمج ستتسارع أو تتجمد”.
الأهم في حديث حمو أنّه ربط بين نجاح الدمج وبين معالجة الأسباب التي دفعت إلى تأسيس قسد أساساً، أي التهميش والظلم والإقصاء. فبدون حل جذريّ لهذه الأسباب، سيبقى أيّ جيش وطنيّ مجرد واجهة شكليّة لسلطة لا تؤمن بالتعدديّة ولا بالمواطنة.
في ختام المقابلة، دعا سيبان حمو شعوب شمال وشرق سوريا إلى اليقظة من “المخططات القذرة” التي تسعى للنيل من تماسكهم، مؤكداً أن الحفاظ على ما تحقق هو مسؤولية جماعية، وأن “كل من يريد بناء سوريا ديمقراطيّة يجب أن يحترم نضال قسد وهويتها وتضحياتها”.
هذه الرسالة لا تنبع من موقف فئويّ، بل من رؤية وطنيّة شاملة: فالقوات التي قاتلت داعش ودافعت عن كرامة السوريّين في الرقة ومنبج ودير الزور وكوباني، لا يمكن اختزالها في خانة مناطقية أو حزبية، لأنها أثبتت أنها جيشٌ حقيقيّ من الشعب ولأجل الشعب.
من منظورٍ استراتيجيّ، يمكن القول إنّ مستقبل الجيش السوريّ لن يُبنى على الأعداد أو العتاد، بل على الفكرة التي يقوم عليها. فإما أن يكون جيشاً يعيد إنتاج المركزيّة القديمة ويخضع للمحاصصات السياسيّة والطائفيّة، أو أن يتحوّل إلى جيشٍ ديمقراطيّ لامركزيّ يعكس التنوّع السوريّ ويحترم الخصوصيات المحليّة.
النموذج الذي قدّمته قوات سوريا الديمقراطيّة طوال عقد من الزمن يبرهن أن “اللامركزيّة” لا تعني التفكك، بل على العكس، تعني مشاركة جميع المكونات في حماية وطنٍ واحد على قاعدة المساواة.
الجيش في سوريا اللامركزيّة يجب أن يكون جيشاً مجتمعيّاً تشاركيّاً، يضم في صفوفه أبناء كل المدن والمناطق، ويخضع لرقابة مدنية منتخبة، لا لأوامر فوقية تأتي من العاصمة أو من أجهزة المخابرات.
في هذا السياق، تبدو رؤية قسد للدمج رؤية وطنيّة واقعيّة، لأنها لا تسعى للسيطرة أو الهيمنة، بل للعدالة في التمثيل، ولأنها تنطلق من تجربة عملية أثبتت نجاحها في مواجهة الإرهاب والحفاظ على الأمن.
وفي المقابل، تبدو محاولات دمشق لفرض نموذج مركزيّ موروث عن النظام السابق محكومة بالفشل، لأنها تتجاهل أن الشعب السوريّ لم يعد يقبل أن يكون مجرد تابع في معادلات القوة.
No Result
View All Result