زاوية الدين والحياة ـ علي زاخراني
في هذا العالم الذي يضجّ بالسرعة والصراعات والمصالح، تبقى القلوب الطيبة كالماء العذب في صحراء قاحلة، تروّي الأرواح العطشى وتمنح الأمل في زمنٍ شحّت فيه الإنسانية.
الطيبة ليست سذاجة، وليست ضعفًا كما يظن البعض، بل هي قوة خفيّة لا يملكها إلا أصحاب النفوس النقية. فالقلب الطيب هو ذاك القلب الذي يعفو حين يَقدر، ويُعطي دون انتظار، ويُحسن حتى لمن أساء. هو القلب الذي ينبض حبًا ورحمة، لا يعرف الحقد طريقًا إليه، ولا يحمل في طياته إلا الأمنيات الجميلة للآخرين، هو الذي يرى الناس بعين الرحمة، ويفتش في داخلهم عن الخير، حتى لو غطّاه الغبار. هو الذي يسعى للبناء لا للهدم، وللستر لا للفضح، وللسلام لا للجدال.
كثيرون يظنون أن الطيبة تعني الاستسلام، أو أن صاحب القلب الطيب يُستَغل بسهولة، لكن الحقيقة أن الطيب هو إنسان قويّ من الداخل، يملك القدرة على التسامح في وقت الغضب، وعلى الصبر في وقت الشدة، وعلى التضحية من أجل من يحب، دون أن يُحدّث نفسه بالمقابل.
القلوب الطيبة تقاتل بصمت، وتنتصر بأخلاقها، وترتقي بثباتها، ولا ترد الإساءة بمثلها، بل تردها بالدعاء، وبالرفق، وبالسكينة التي تفيض من عمق الإيمان.
نحن بحاجة الى القلوب الطيبة لأنها تبني ولا تهدم، تُجمّل الحياة رغم قُبح الواقع، تُلهم الآخرين لتكون الرحمة أساس العلاقات، وتجعل من الوجود مكانًا أكثر احتمالاً. فوجود قلب طيب واحد في محيط قاسٍ، كفيل بأن يغير المزاج العام، ويبعث دفئاً في النفوس المتعبة.
في الأسرة، وجود قلب طيب يجعل من البيت جنة. في الصداقة، القلب الطيب يُصلح ما أفسده الزمن. وفي العمل، هو من يزرع الطمأنينة، ويُعيد التوازن الإنساني وسط المنافسات.
أحبتي: علينا أن نحافظ على طيبة قلوبنا بذكر الله كثيرًا، فالقلب الذي يذكر الله لا يعرف القسوة، وبالعفو والتغافل، فليس كل أمر يستحق الغضب أو الرد.
بإحسان الظن بالناس، وعدم الحكم عليهم من مظهر أو موقف عابر، وبمحاسبة النفس، فالطيبة لا تعني أن نرضى بالخطأ، بل أن نُقوّم أنفسنا دائمًا بلين، وأن نُحيط أنفسنا بمن يُشبهوننا، فالقلب الطيب يذبل في بيئة سامة.
وأخيرًا…
القلوب الطيبة لا تُنسى، بل تبقى حيّة في ذاكرة من عرفها، حتى بعد الرحيل. هي كالشجرة المثمرة، يُلقيها الناس بالحجارة، لكنها تردّ بثمرها. فكن طيب القلب، لا من أجلهم فقط، بل من أجل نفسك؛ لأن الطيبون يعيشون بسلام، حتى وإن جار عليهم الزمان.