No Result
View All Result
د. شفيق عامر
في زمنٍ التبست فيه المفاهيم واختلط فيه المقدّس بالمدنّس، تحوّل الجهاد إلى ذريعةٍ للذبح، والغنيمة إلى ستارٍ للنهب، والفتوى إلى سلاحٍ لتبرير الجرائم. تلك هي معادلة سلطة الأمر الواقع في إدلب، السلطة التي ترفع شعار “الشريعة” فيما تمارس أبشع صور الانحراف عن جوهرها، وتستند إلى خطابٍ ديني مزيّف غايته تكريس سلطة العصابة لا إقامة العدالة.
منذ اللحظة الأولى لظهور هذه التنظيمات، كانت البندقية أعلى من الكلمة، والتهديد أقوى من الحجة، والعقيدة أداة للتسلّط لا للهداية. كل ما يخالف رؤيتهم يُعدّ “كفرًا” أو “ردة”، وكل من يرفض الانصياع لحكمهم يصبح هدفًا مشروعًا للقتل أو الاعتقال أو التهجير.
هكذا تحوّل الدين في مناطق سيطرتهم إلى واجهةٍ تُستخدم لتبرير نزوات الزعيم وتغليف مصالحه الشخصية بطلاءٍ شرعيّ خادع.
تشريع العنف باسم الله
قطع الرؤوس صار “جهاداً”، وقطع الطرق ونهب الممتلكات صار “غنائم”، واغتصاب النساء أُلبِسَ لباس “السبايا وملك اليمين”، وتزوير الأحاديث صار “علم حديث”، وتأويل القرآن حسب الأهواء صار “تفسيرًا”، والفتاوى المفصّلة على مقاس السلطان صارت “فقهًا”.
تلك هي مدرسة من يديرون تلك المناطق، الذين جعلوا من الدين سوقاً للمصالح وسلعةً رخيصة تباع وتشترى على منابر الإعلام المسخّر. هؤلاء لم يكتفوا بتشويه صورة الإسلام أمام العالم، بل شوّهوا الإنسان نفسه، وخلعوا عن المجتمع أي معنى للرحمة أو العدالة أو التسامح. فحيث يحكمون، تسود الخوف لا الطمأنينة، والدم لا الحياة، والتكفير لا الفكر.
من الثورة إلى الاستبداد الديني
ما بدأ يومًا بشعارات الحرية والكرامة تحوّل إلى كابوسٍ من القهر والجباية والاعتقال. في ظلّ سلطة الشرع، لم تعد إدلب سوى سجنٍ كبير تُدار فيه حياة الناس بأوامر أمنية، وتُصادر فيه الأصوات الحرة، وتُراقَب فيه حتى النوايا.
تحت ذريعة “محاربة الفساد”، تمّت مصادرة أرزاق الناس، وتحت شعار “بناء الدولة الإسلامية”، بُنيت إمارة بوليسية تتحكّم فيها مجموعة من المتنفذين والأمراء. تلك السلطة لم تُنتج سوى انقسامات جديدة في الجسد السوري، فأمعنت في تفتيت ما تبقّى من نسيجٍ وطني، وضربت فكرة المواطنة في الصميم، وحوّلت الدين من جسرٍ يوحّد الناس إلى جدارٍ يُفرّقهم.
الازدواجية والخداع
المفارقة أن من يدّعون محاربة الكذب والنفاق يمارسونهما بأبشع صورهما. يتحدثون عن “تحرير” وهم يمارسون الاحتلال، يرفعون شعار “العدل” وهم أبعد ما يكونون عنه بل على العكس هم مطلوبون للعدالة، يتحدثون عن “الزهد” فيما يعيش أمراؤهم في القصور. يحاربون الأنظمة السابقة بحجة الطغيان، ثم يبنون طغيانًا أشدُّ قسوةً باسم الدين.
والمؤلم أكثر أن هذه السلطة تحاول اليوم أن تروّج لنفسها على أنها “سلطة مدنية معتدلة” أمام الخارج، بينما في الداخل تُمارس الإذلال والبطش وكتم الأنفاس. إنها مسرحية جديدة من مسرحيات التجميل السياسي، تُخفي وراءها وحشاً عقائدياً لا يعرف سوى لغة الدم والولاء الأعمى.
والنتيجة: خرابٌ في الأرض والدين
لقد أنتج هذا الفكر انحدارًا أخلاقيًا واجتماعيًا غير مسبوق. الناس فقدوا ثقتهم بكل ما هو ديني، وانهارت صورة العلماء، وتبدّدت قيم التكافل والتعاضد. وحين يُختزل الدين في لحيةٍ وسلاحٍ ورايةٍ سوداء، تصبح الكارثة أكبر من حدود الجغرافيا.
ما جرى ليس مجرد صراعٍ عسكري، بل معركة على روح الدين نفسه. إنها مواجهة بين من جعلوا من الله أداة سلطة، وبين من يؤمنون بأن الله هو الرحمة والعدل والحرية.
وهكذا نجد أنّ هذه السلطة ليست إلا مرآة مشوّهة لحقبةٍ من الانحراف الفكري والسياسي، وهي نتيجة طبيعية لتحويل الدين إلى مشروع سلطة لا مشروع إصلاح. لكن؛ التاريخ علّمنا أن الزيف لا يدوم، وأن كل سلطة تُبنى على الخداع تسقط مهما طال زمنها.
سيبقى الحقّ أقوى من السيف، وستبقى الكلمة الحرة أنقى من كل رايةٍ تُلوّثها الدماء.
فالإيمان لا يُقاس بعدد الرؤوس المقطوعة، بل بعدد القلوب التي تُحيا بالعدل والرحمة.
No Result
View All Result