No Result
View All Result
محمد عيسى
منذ مطلع عام 2024، بدأت تتكشف ملامح أزمة غير مسبوقة تضرب الدولة التركيّة من الداخل، أزمة لم تعد تقتصر على الاقتصاد أو السياسة الخارجيّة، بل باتت تمسّ البنية الاجتماعيّة والمجتمعيّة، وتضع النظام الحاكم أمام معادلة وجوديّة: إما الانهيار أو التنازل. ومع تراجع الليرة إلى مستويات قياسيّة، وتضخم تجاوز 75% في منتصف 2025، ومع انحسار الاستثمارات الأجنبيّة وارتفاع الديون الخارجيّة إلى أكثر من 520 مليار دولار، تبدو تركيا وكأنّها تدخل مرحلة “الإفلاس السياسيّ والاقتصاديّ” بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى.
لكن المفارقة أنّ أنقرة، التي طالما قدّمت نفسها لاعباً إقليميّاً قادراً على إدارة الأزمات، باتت اليوم تتسول الأدوار في “بازار” السياسة العالميّة؛ تارةً تقدم نفسها حليفاً لواشنطن في تسوية الصراع الروسيّ الأوكرانيّ، وطوراً تحاول التقرّب من موسكو لإنقاذ مشاريعها الطاقويّة، وثالثاً تلجأ إلى قطر بحثاً عن قروض عاجلة تقيها الانفجار الاجتماعيّ الذي يلوح في الأفق.
أرقام تكشف الانهيار
بحلول كانون الأول 2024، كانت الليرة التركيّة قد فقدت أكثر من 43% من قيمتها خلال عام واحد، حيث بلغ سعر الصرف أكثر من 36 ليرة مقابل الدولار الواحد، وهو أدنى مستوى تاريخي منذ تأسيس الجمهورية. وفي تقرير البنك المركزيّ التركيّ الصادر في شباط 2025، أُشير بوضوح إلى إنّ “الاحتياطيّ الصافي من العملات الأجنبيّة بات سلبياً بنحو 68 مليار دولار”، أيّ أنّ الدولة تنفقُ أكثر مما تملك، في محاولة يائسة لدعم العملة وتهدئة الأسواق.
وفق بيانات معهد الإحصاء التركيّ، ارتفعت الأسعار بنسبة 73.4% في الربع الأول من عام 2025، بينما قفزت أسعار المواد الغذائيّة بنسبة 110% مقارنة بعام 2023. ولم يعد هذا التضخم رقماً اقتصاديّاً فحسب، بل تحول إلى أزمة معيشيّة خانقة تدفع ملايين الأسر إلى حافة الفقر.
وفي المقابل، ارتفع الدين العام إلى أكثر من 9.8 تريليونات ليرة، أيّ نحو 45% من الناتج المحليّ الإجماليّ، وفق بيانات وزارة الخزانة والماليّة الصادرة في حزيران 2025.
القطاعات الصناعيّة والتجاريّة الكبرى تعاني من تباطؤ حاد، حيث انخفضت الصادرات بنسبة 8.7% خلال النصف الأول من عام 2025، متأثرة بانكماش الطلب الأوروبيّ وتراجع الإنتاج المحليّ نتيجة نقص المواد الخام والطاقة. أما البطالة، فقد تجاوزت 13% رسميّاً، بينما تشير تقديرات مستقلة إلى أنّها تقترب من 20% إذا ما احتُسب العاملون بدوام جزئيّ والعاطلون المقنَّعون. وهذه الأرقام وحدها كفيلة بوصف الحالة: تركيا تواجه إفلاساً فعليّاً، حتى وإن لم تعلن ذلك رسميّاً بعد.
ومنذ انهيار السياسة النقديّة التي اعتمدها أردوغان منذ عام 2018، والمبنية على خفض الفائدة لكبح التضخم (!)، دخلت الليرة التركيّة دوامة لا مخرجَ منها. ففي تموز 2024، اضطر البنك المركزيّ إلى رفع الفائدة إلى 45% في محاولة لوقف التدهور، لكن الأسواق لم تثق بالسياسات الحكوميّة.
ومع نهاية أيلول 2025، بلغ التضخم الشهريّ 5.6%، وهو رقم كارثيّ يعكس فشل كلّ أدوات السياسة النقديّة. وتزامناً مع ذلك، فقدت البنوك التركيّة جزءاً كبيراً من احتياطاتها بالعملات الأجنبيّة، ما أجبرها على طلب خطوط تمويل طارئة من قطر والإمارات بقيمة تجاوزت 15 مليار دولار.
وفي تقرير صادر عن وكالة “فيتش” في حزيران 2025، حُذّر من أنّ “القطاع المصرفيّ التركيّ معرّضٌ بشدةٍ لأزمات السيولة، وأنّ استمرار نزيف الاحتياطيّ سيجعل الدولة غير قادرة على خدمة ديونها الخارجيّة بنهاية 2026”.
الارتهان لروسيا وانسداد البدائل
بين كلّ الأزمات التي تواجه أنقرة، تبقى أزمة الطاقة الأخطر والأعمق. فبحسب هيئة تنظيم سوق الطاقة التركيّة، شكّلت الإمدادات الروسيّة 40% من إجمالي واردات الغاز عام 2023، بينما جاءت روسيا كمصدر رئيسيّ لنحو 65% من واردات النفط خلال الـ11 شهراً الأولى من عام 2024.
أي أنّ أكثر من نصف شرايين الاقتصاد التركيّ مرتبطة بموسكو بشكلٍ مباشرٍ، سواء عبر خطي “السيل الأزرق” و”ترك ستريم” تحت البحر الأسود، أو عبر الصفقات التجاريّة المقنّعة التي تسمح لتركيا بإعادة تصدير المنتجات النفطيّة المكررة إلى أوروبا بأسعار منافسة.
في 16 آذار 2025، حاولت أنقرة أن توازن بين مصلحتها الاقتصاديّة وموقفها السياسيّ، إذ أصدرت وزارة الخارجيّة بياناً وصف “انضمام القرم إلى روسيا” بالضم، بينما كان أردوغان يجري في اليوم نفسه اتصالاً هاتفيّاً مع الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب ليعلن عن “دعم الجهود الأمريكيّة لإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا”.
هذه الازدواجيّة لم تكن مجرد تكتيك دبلوماسيّ، بل انعكاس لحقيقة أنّ تركيا لم تعد تملك رفاهية الاختيار بين موسكو وواشنطن.
محطة “أكويو” النووية، التي تنفذها شركة “روساتوم” الروسيّة بتكلفة 20 مليار دولار، أصبحت رمزاً لهذا الارتهان، إذ تملك موسكو 99% من المشروع وتتحكم بإدارته وتمويله وتشغيله. ومع أنّ أردوغان وعد بافتتاح أول مفاعل في 2026، إلا أنّ التمويل الروسيّ بات أداةَ ضغطٍ مباشرة على الاقتصاد التركيّ.
أنقرة بين المطرقة والسندان
منذ بداية عام 2024، أدركت تركيا أنّ موقعها الجغرافيّ الذي طالما اعتبرته ورقة قوة، قد تحوّل إلى عبء استراتيجيّ. فالحربُ الروسيّة الأوكرانيّة جعلتِ البحرَ الأسود منطقة مغلقة عسكريّاً، وأضعفت مكانة تركيا كوسيط، فيما فقدت علاقاتها مع الناتو بريقها بعد توترات متكررة حول ملفي السويد وصواريخ “إس-400”.
لكن التحول الحقيقيّ بدأ مع وصول الإدارة الأمريكيّة الجديدة بقيادة دونالد ترامب في كانون الثاني 2025، إذ قررت واشنطن فتح قنوات حوار مباشر مع موسكو لإنهاء الصراع الأوكرانيّ. وهنا وجدت أنقرة نفسها في موقف غير مسبوق: فقدت دور الوسيط، وبدأت تشعر أنّ الملفات الكبرى تُدار من دونها.
في شباط 2025، حاول أردوغان العودة إلى الطاولة عبر عرض “خطة أمنيّة مشتركة” للبحر الأسود تشمل روسيا وأوكرانيا والناتو، لكنها قوبلت بتجاهل شبه كامل. وفي آذار، تسربت معلومات عن مفاوضات أمريكيّة ــ روسيّة في جنيف استُبعدت منها تركيا تماماً.
أما في نيسان، فكانت الصدمة الكبرى حين أعلنت واشنطن عن خفض التعاون العسكريّ مع أنقرة بنسبة 40%، وإعادة توزيع قواعد الدعم اللوجستيّ في شرق المتوسط باتجاه اليونان وقبرص. عندها، لجأت أنقرة إلى “البازار الدبلوماسيّ”، فبدأت تقدم التنازلات الصغيرة هنا وهناك على أمل استعادة جزء من النفوذ الضائع.
أعادت فتح قنوات الاتصال مع دمشق عبر وسطاء قطريين، وأبدت مرونة في ملفات الطاقة شرق المتوسط، بل وأرسلت إشارات إيجابيّة إلى الاتحاد الأوروبيّ بشأن “تعديل سلوكها في ليبيا وسوريا”. لكن؛ النتيجة كانت واحدة: تركيا التي كانت تصنع الأحداث، باتت اليوم تركض خلفها. وفي خضم هذا الانهيار، وجدت تركيا نفسها مضطرة للعودة إلى الحليف الأوثق والأكثر مرونة: قطر.
فمنذ 2018، كانت الدوحة قد أنقذت أنقرة أكثر من مرة عبر ودائع ماليّة ضخمة في البنك المركزيّ التركيّ. وفي نيسان 2025، جرى تجديد اتفاق المقايضة بالعملات بين البنكين المركزيين القطريّ والتركيّ بقيمة 15 مليار دولار، في محاولة لتثبيت الليرة مؤقتاً.
كما أعلنت الدوحة في حزيران 2025 عن ضخ استثمارات إضافيّة في قطاعات البنوك والعقارات التركيّة بقيمة عشرة مليارات دولار، في وقت تراجع فيه الاستثمار الأوروبيّ بنسبة 60%. لكن الدعم القطريّ، رغم ضخامته، لا يكفي لإنعاش اقتصاد بحجم تركيا. فالعجز في الميزان التجاريّ تجاوز 110 مليارات دولار في 2024، ومع ارتفاع فاتورة الطاقة إلى أكثر من 90 مليار دولار، أصبحت المساعدات القطريّة مجرد “مسكّن مؤقت” لا يعالج أصل الأزمة.
في المقابل، تستغل قطر هذا الوضع لتعزيز نفوذها الاقتصاديّ داخل تركيا، من خلال الاستحواذ على حصصٍ في الشركات الاستراتيجيّة، بما في ذلك مطار إسطنبول الجديد وشركة “بورصة إسطنبول” وشركات دفاعيّة صغيرة. وبذلك تتحول الشراكة إلى نوع من “الوصاية الماليّة” المقنّعة.
البازار الأخير.. أنقرة تبيع أوراقها
في أروقة السياسة الدوليّة، تُعرف أنقرة بأنّها “بارعة في المقايضة”. لكن؛ في 2025، تحولت المقايضة إلى “بيع طوعيّ للنفوذ”. فقد بدأت تركيا تقدم تنازلات في ملفات حساسة مقابل إنقاذ اقتصاديّ مؤقت.
في تموز 2025، وقّعت اتفاقاً مبدئيّاً مع الاتحاد الأوروبيّ يقضي بزيادة التعاون في ضبط الهجرة مقابل تسهيلات ماليّة جديدة. وفي آب، وافقت على إعادة تفعيل اتفاق الجمركيّ المجمّد منذ 2016 مقابل قروض من بنك الاستثمار الأوروبيّ.
وفي أيلول، سمحت واشنطن بصفقة سلاح محدودة لأنقرة بعد أن تعهدت الأخيرة بتجميد التعاون الدفاعيّ مع روسيا في بعض المجالات. لكن؛ هذه التحركات لم تعد تُقرأ كـ”دهاء تركيّ” كما في السابق، بل كدليلٍ على الضعف. فالدول الكبرى باتت تدرك أنّ أنقرة تبحث عن أيّ منفذٍ للبقاء في اللعبة، حتى لو اضطرت لتقديم تنازلات مؤلمة في ملفات كالكرد وسوريا والطاقة. واللافت أنّ تركيا التي حاولت طوال عقود أن تقدمَ نفسها جسراً بين الشرق والغرب، باتت اليوم جسراً مهترئاً لا يريد أحد العبور فوقه.
روسيا تراها شريكاً اقتصاديّاً مفيداً لكنه غير موثوق سياسيّاً، والولايات المتحدة تعتبرها حليفاً “صعباً” يهدد استقرار الناتو. أما أوروبا، فتتعامل معها كمورد عمالة ومصدّر للأزمات أكثر من كونها شريكاً استراتيجيّاً.
في القمم الدوليّة الأخيرة، بات موقع تركيا هامشيّاً. ففي قمة العشرين في نيودلهي (أيلول 2024)، لم يُمنح أردوغان سوى لقاءات بروتوكوليّة، بينما تصدرت السعودية والهند واليابان محاور النقاشات. وفي قمة الناتو في بروكسل (حزيران 2025)، واجه انتقادات حادة بسبب استمرار شراء الغاز الروسيّ وإغلاق الممرات أمام بعض شحنات الدعم لأوكرانيا.
بهذا المعنى، يمكن القول أنّ تركيا لم تعد “رقماً صعباً” في المعادلة الدوليّة، بل أصبحت عبئاً يحاول الجميع إدارة تكلفته.
مستقبل نحو المجهول
إذا استمر هذا المسار حتى 2026، فإنّ تركيا مرشحة لمواجهة انهيار مالي كامل. وتشير تقديرات صندوق النقد الدوليّ في تقرير أيلول 2025 إلى إنّ معدل النمو سيتراجع إلى 1.2% فقط، بينما سيقفز الدين الخارجيّ إلى 560 مليار دولار، وهو رقم يعادل تقريباً 80% من الناتج المحليّ. أما العجز في الحساب الجاري، فيتوقع أن يتجاوز 7% من الناتج، وهي مستويات تضع أيّ اقتصاد ناشئ على حافة الإفلاس.
كل المؤشرات تقول إنّ تركيا اليوم ليست تلك الدولة التي حلمت بـ”العثمانيّة الجديدة”، بل دولة مثقلة بالديون، فاقدة للثقة، تعيش على هامش النظام الدوليّ. وهي تحاول البقاء بالمناورة بين موسكو وواشنطن، لكنها لا تحصد إلا مزيداً من العزلة. وتحاول التمسك بخيوط الدعم القطريّ، لكنها تبيع مقابلها استقلالها الماليّ.
تحاول إقناع الداخل بأنّها قادرة على تجاوز الأزمة، لكن المجتمع التركيّ لم يعد يصدق الخطاب الرسميّ والشعارات الوهميّة السابقة. الإفلاس هنا لم يعد مجرد مصطلح اقتصاديّ، بل توصيف لحالة سياسيّة واجتماعيّة شاملة: إفلاس في الرؤية، في التحالفات، في الخطاب، وحتى في الحلم.
تركيا التي أرادت إنّ تكون قوة إقليميّة تقود المنطقة بسياساتها الخاطئة، أصبحت في 2025 دولة تبحث عن منقذ. ومهما حاولت أن تلعب أدواراً جديدة في البازار الدوليّ، فإن الحقيقة واحدة: أنقرة تبيع ما تبقى من نفوذها كي تشتري الوقت… لا أكثر.
No Result
View All Result