No Result
View All Result
محمد عيسى
منذ أن بدأ سلاح الجو الروسي توجيه ضرباته الجوية في الأراضي السورية بتاريخ 30 أيلول 2015، دخلت موسكو رسميًا مسرح الحرب السورية لاعبًا مركزيًا، لا مجرد حليف سياسي لنظام بشار الأسد. تلك الضربات التي سُمّيت حينها “ضد الإرهاب”، كانت نقطة التحوّل التي كرّست الدور الروسي كقوة احتلال ناعمة تمسك بخيوط القرار العسكري والاقتصادي في دمشق، وتعيد عبر بوابة الحرب صياغة موقعها في الشرق الأوسط بعد عقود من التراجع. لكن؛ بعد ثماني سنوات من التدخل، ومرور البلاد بتحوّلات جذرية انتهت في الثامن من كانون الأول 2024 بسقوط النظام الأسدي وصعود أحمد الشرع رئيسًا للمرحلة الانتقالية، وجدت موسكو نفسها أمام مشهدٍ مختلف: سوريا جديدة لا تشبه تلك التي أنقذت فيها الأسد، ولا تقبل بعلاقة قائمة على الوصاية القديمة.
روسيا تصنع حربها الخاصة
في خريف 2015، وبعد أن طلب الأسد دعمًا عسكريًا مباشرًا من موسكو، وافق مجلس الاتحاد الروسي على تفويض الرئيس فلاديمير بوتين استخدام القوات المسلحة خارج البلاد، لتبدأ أولى الضربات الروسية يوم 30 أيلول على مواقع قالت وزارة الدفاع الروسية إنها تابعة لـ “داعش”. إلا أن ما تسمى بالمعارضة السورية وقيادات غربية كذّبت الرواية، مؤكدين أن الغارات استهدفت مدنيين ومواقع لمجموعات معارضة غير متطرفة.
ومع توالي الأشهر، تبيّن أن موسكو لم تأتِ لإنهاء الحرب بل لإعادة هندستها بما يخدم بقاء الأسد. فبين 2016 و2020، دعمت روسيا حصار حلب، وشاركت في معارك الغوطة وحمص وإدلب، واستخدمت كل أدواتها العسكرية والسياسية لترسيخ نظامٍ متهاوٍ. كانت تلك السنوات مرحلة “روسنة” القرار العسكري السوري، حتى تحوّلت القواعد الروسية في حميميم وطرطوس إلى مركز قيادة فعلي للعمليات الميدانية.
وفي الوقت الذي كانت موسكو تروّج لنفسها كضامن لمسار “أستانا” إلى جانب تركيا وإيران، كانت عمليًا تُدير صفقات تقاسم النفوذ مع أنقرة وطهران على الأرض، وتُمسك بخيوط اقتصاد الحرب من خلال عقود الغاز والفوسفات والمرافئ. ومع كل تقدم عسكري للأسد، كانت الشركات الروسية تحصل على امتياز جديد: من التنقيب في منجم الشرقية إلى صفقات إعادة الإعمار، حتى بلغت ديون سوريا لروسيا ما يزيد على ٤,٥ مليار دولار وفق بيانات رسمية روسية عام 2021.
لكن الزلزال الحقيقي جاء في الثامن من كانون الأول 2024، يوم سقط النظام الأسدي. لم تكن موسكو حينها مستعدة لتلك النهاية السريعة، رغم إدراكها أن بنية النظام تهترئ منذ سنوات. كانت تعتقد أنها قادرة على هندسة انتقالٍ شكلي يبقي الأسد رمزًا سياسيًا ويُبقي القواعد العسكرية الروسية على حالها، لكن ما جرى كان مغايرًا تمامًا. فقد برزت السلطة الجديدة بقيادة أحمد الشرع من قلب المشهد الفصائلي في إدلب، وتحديدًا من تحت عباءة هيئة تحرير الشام بعد تعيينه لاستكمال مخططات الهيمنة العالمية؛ هذا التحول أربك جعل موسكو أمام معادلة غير متوقعة: سوريا تُدار من قوى كانت تُصنّفها بالأمس القريب “إرهابية”، لكنها اليوم تملك مفاتيح الأرض والسلطة.
هكذا وجدت روسيا نفسها فجأة خارج معادلة الحكم، وخارج منظومة النفوذ التي بنتها عبر الدم والحديد. ومع خروج إيران فعليًا من المشهد السوري الجديد، بعد أن سحبت ميليشياتها من الجنوب والوسط السوري منتصف كانون الثاني 2025، أدرك الكرملين أن الخسارة لا تتعلق فقط بسقوط حليف بل بانهيار مشروع نفوذ كامل امتد عشر سنوات.
موسكو تبحث عن موقع جديد
منذ الأسابيع الأولى بعد سقوط الأسد، أطلقت موسكو حملة دبلوماسية لاحتواء الخسائر. فبعد أن دركت حجم التغيير السياسي، حاولت إعادة التموضع عبر ثلاث مسارات متوازية:
الأول، إبقاء وجودها العسكري في طرطوس وحميميم كأمرٍ واقع تحت شعار “ضمان الاستقرار ومكافحة الإرهاب”.
الثاني، تحريك ملف الديون والاتفاقات التجارية الموقّعة خلال حكم الأسد، لتبقى سوريا ملزمة تجاهها ماليًا.
والثالث، التواصل غير المباشر مع الإدارة الأمريكية الجديدة ومع الاتحاد الأوروبي لتأكيد أن روسيا جزء من أي تسوية مستقبلية في الشرق الأوسط. في هذا السياق، كشفت تقارير إعلامية روسية في شباط 2025 أن وزارة الدفاع الروسية أصدرت تعليمات لقيادة قاعدة “حميميم” بعدم الانسحاب أو تسليم المواقع لأي سلطة سورية قبل اتفاق سياسي واضح، في حين جرى تعزيز الوجود الروسي في طرطوس بقطع بحرية جديدة قادمة من أسطول البحر الأسود. كما أُعيد تصنيف بعض المواقع العسكرية الروسية لتُقدَّم على أنها “مراكز تدريب ومساعدات إنسانية”، في محاولة لتخفيف الطابع العسكري وإضفاء شرعية جديدة على وجودها.
بداية فصل جديد
في هذا الإطار، جاءت زيارة أحمد الشرع إلى العاصمة الروسية موسكو يوم الأربعاء 15 تشرين الأول 2025، وهي الأولى له منذ توليه منصبه، لتفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين.
التقى الشرع الرئيس فلاديمير بوتين في قصر الكرملين بحضور كبار المسؤولين من الجانبين. وفي كلمته الافتتاحية، قال الشرع إن “سوريا تمر بمرحلة جديدة تسعى خلالها إلى إعادة بناء علاقاتها السياسية والاستراتيجية مع الدول الإقليمية والعالمية، وفي مقدمتها روسيا الاتحادية”، مشددًا على عمق الروابط التاريخية التي تربط الشعبين.
ورغم الطابع البروتوكولي للزيارة، فإن مضمونها كان سياسياً وأمنياً بامتياز. فوفقًا لمصادر سورية نقلت عنها وكالة “رويترز”، فإن الوفد السوري سعى للحصول على ضمانات روسية بعدم إعادة تسليح بقايا قوات النظام السابق، وطلب من موسكو المساعدة في إعادة بناء الجيش السوري الجديد ضمن هيكلية مهنية حديثة خاضعة للسلطة المدنية.
كما سبقت الزيارة سلسلة تحركات تمهيدية من الجانب الروسي، أبرزها زيارة ألكسندر نوفاك نائب رئيس الوزراء الروسي إلى دمشق في أيلول، حيث بحث الملفات الاقتصادية والتجارية، تلتها زيارة وزيرَي الخارجية والدفاع السوريين إلى موسكو، ثم زيارة رئيس الأركان علي النعسان قبل أسبوع واحد فقط من لقاء الكرملين، في جولة محادثات مع نائب وزير الدفاع الروسي يونس بيك يفكوروف ومسؤولين عسكريين آخرين.
تُظهر المعطيات أن أحد الملفات الأكثر حساسية على طاولة المفاوضات كان مستقبل الوجود العسكري الروسي في سوريا. إذ تسعى موسكو لإعادة صياغة آليات التعاون بحيث تضمن بقاءها، ولو جزئياً، في القواعد الاستراتيجية على الساحل. مصدر روسي نقلت عنه صحيفة “الشرق الأوسط” قال إن موسكو “مستعدة للمساهمة في إعادة تأهيل الجيش السوري ووضع برنامج تسليح جديد، مقابل اتفاق يحدّد مهام وجودها العسكري على غرار النموذج الروسي في طاجكستان”.
أما وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، فقد أكّد يوم الاثنين 13 تشرين الأول 2025 أن “الجانب السوري مهتم بالحفاظ على القواعد الروسية في طرطوس وحميميم، ويمكن إعادة توظيفها كمراكز إنسانية”. وأضاف لافروف أن تلك القواعد قد تتحول إلى منصّات لتقديم المساعدات الإنسانية إلى أفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء، في محاولة لإعطاء بقاء موسكو بعداً دولياً مشروعاً لا يرتبط بالحرب.
لكن خلف هذا الخطاب الإنساني، يدرك المراقبون أن موسكو تسعى قبل كل شيء إلى عدم الخروج من المولد بلا حمص، أي الحفاظ على موطئ قدم سياسي واقتصادي في سوريا الجديدة. فالقواعد، وإن تغيّر توصيفها القانوني، تبقى رموزاً للنفوذ الروسي، وبقاءها يعني أن الكرملين ما زال لاعباً في شرق المتوسط، يتحكم بممرات الطاقة والتجارة.
إلى جانب الملف العسكري، يبرز الملف الاقتصادي كورقة تفاوضية لا تقل أهمية. فقد تراكمت على دمشق خلال سنوات الأسد ديون ضخمة لروسيا تجاوزت 4.5 مليار دولار، معظمها مقابل عقود نفطية وعسكرية. تسعى موسكو اليوم إلى تثبيت هذه الديون كالتزامات على الدولة السورية الجديدة، وربطها ببرامج إعادة الإعمار.

في المقابل، تحاول الحكومة الانتقالية إعادة صياغة العلاقة الاقتصادية على قاعدة “المصلحة المتبادلة”، لا التبعية. وخلال لقاء الشرع مع بوتين، طُرحت إمكانية إعادة تقييم العقود القديمة، خصوصاً تلك الموقعة عام 2018 والمتعلقة باستثمار مرفأ طرطوس لمدة 49 عاماً، إذ تعتبرها دمشق اتفاقات غير شرعية لأنها وُقعت في ظل نظام فاقد للشرعية.
وقد أبدى بوتين مرونة نسبية في هذا الجانب، مؤكداً أن موسكو “لا تسعى إلى استغلال الوضع السوري الجديد”، لكنه شدّد على ضرورة “ضمان المصالح الروسية المشروعة في الشرق الأوسط”.
التوازن الدولي الجديد
تدرك موسكو أن مستقبل نفوذها في سوريا لم يعد يُقرَّر داخل دمشق وحدها، بل في أروقة التفاهمات الدولية. فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الخليجية باتت طرفاً فاعلاً في صياغة المرحلة الانتقالية، في حين انكفأت إيران بشكل شبه كامل. لذلك، تُكثّف روسيا في هذه المرحلة اتصالاتها عبر قنوات خلفية مع واشنطن، محاولةً إقناعها بأن وجودها في سوريا “عامل استقرار” لا تهديد.
مصادر دبلوماسية غربية أكدت لوسائل إعلام عربية في أيلول الماضي أن “روسيا تحاول إقناع واشنطن بإبقاء قواتها في طرطوس كجزء من ترتيبات دولية لضمان أمن الملاحة شرق المتوسط”. وفي المقابل، تطلب واشنطن من موسكو التعاون الكامل في ملف المعتقلين والمفقودين خلال الحرب، والكشف عن معلومات تتعلق بجرائم القصف الروسي وتعاونها من نظام الأسد ما بين 2015 و2023، وهو شرطٌ ترفضه موسكو حتى الآن، معتبرة أنه “تسييس للعدالة”.
ورغم المحاولات الروسية لتلميع صورتها في سوريا ما بعد الأسد، فإن ذاكرة السوريين مثقلة بالدمار الذي شاركت موسكو بصناعته. فبين 2015 و2022 قُتل عشرات الآلاف من المدنيين في قصف روسي مباشر، وفق إحصاءات موثقة من المرصد السوري لحقوق الأنسان. كما تسبب الدعم الروسي للنظام في تهجير أكثر من 12 مليون سوري، ودفع البلاد إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في القرن الحادي والعشرين. لذلك، تواجه موسكو اليوم أزمة ثقة عميقة مع الرأي العام والنخبة السياسية الجديدة في دمشق.
ويرى محللون سوريون: أن “الكرملين مضطر للاعتراف بأخطائه السابقة إن أراد العودة إلى سوريا الجديدة شريكاً لا مستعمراً”. فالمصالحة السياسية لن تكون ممكنة دون تعويض المتضررين، وفتح تحقيقات جدية في الجرائم التي ارتُكبت بحق المدنيين خلال الحرب.
عادة تموضع روسي صعب
انطلاقًا من هذه المحدّدات، يبدو أن مكانة روسيا في سوريا والشرق الأوسط تراجعت بشكل حاد بعد سقوط الأسد، لكنها لم تُمحَ تمامًا. فالحكومة الانتقالية رغم تحفظها، لا تمانع دورًا روسيًا محدودًا ومتوازنًا، شرط أن يخضع للشرعية الدولية والسيادة الوطنية. وفي المقابل، تحاول موسكو التحرك بخفة سياسية غير معهودة، لتضمن لنفسها مكانًا في خارطة النفوذ الإقليمي المقبلة.
من المرجّح أن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة تموضع روسي ناعم، يقوم على التحالفات الاقتصادية والإنسانية بدل التحالفات العسكرية، وعلى النفوذ الدبلوماسي بدل السيطرة الميدانية. لكن؛ الطريق لن يكون سهلاً، فملفات العدالة والديون والوجود العسكري لا تزال قنابل موقوتة تحتاج إلى اتفاقات دولية معقّدة.
منذ أول غارة في 30 أيلول 2015 وحتى لقاء الكرملين في 15 تشرين الأول 2025، تغيّر وجه سوريا، وتبدّلت خرائط التحالفات. لم تعد موسكو الدولة التي يُستدعى تدخلها لإنقاذ نظامٍ محاصر، بل أصبحت قوة تحاول إنقاذ نفسها من الغرق في رمال النفوذ المتحركة.
الزيارة التي جمعت الشرع وبوتين لم تكن مجرد حدث بروتوكولي، بل محاولة روسية لاستعادة التوازن في الشرق الأوسط عبر بوابة دمشق.
لكن ما بين الماضي الدموي والواقع الجديد، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل تستطيع موسكو أن تتحول من قوة احتلال إلى شريك بناء؟
أم أن التاريخ سيُعيد نفسه، لتبقى روسيا في سوريا ـ كما كانت دائمًا ـ تبحث عن موطئ قدم، لا عن علاقة متكافئة؟
No Result
View All Result