No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف – في السابع عشر من تشرين الأول من كل عام، يحيي العالم اليوم العالمي لمناهضة الفقر، في وقتٍ يعيش فيه السوريون واحدةً من أقسى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في التاريخ الحديث، بعد أكثر من أربعة عشر عاماً من الصراع والحصار والانهيار المعيشي.
في كل عام، يحمل السابع عشر من تشرين الأول رسالة عالمية مشتركة وهي القضاء على الفقر من أجل حياة كريمة لكل إنسان، وفي سوريا، هذه الرسالة تتقاطع مع واقع إنساني مأساوي، حيث يواجه ملايين السوريين معاناة يومية تتجاوز مجرد غياب المال، لتشمل الجوع، وانعدام الأمان، وفقدان السكن، وتعطيل الخدمات الأساسية.
فالفقر في سوريا أصبح ملموساً في وجوه الأطفال الذين يركضون خلف لقمة العيش، وفي عيون النساء اللواتي يكافحن لتأمين حاجات أسرهن، وفي وجوه الشيوخ الذين قضوا أعمارهم في انتظار حياة أكثر استقراراً.
حالة فقر متردٍّ تجاوزت المعقول
الفقر في سوريا لم يعد مجرّد نقصٍ في الدخل، بل أصبح معاناةً يومية تطال الكهرباء، والمياه، والتعليم، والصحة. فقد تراجع إنتاج الطاقة إلى أقل من 20% من قدرته قبل عام 2011، فيما تضرّرت آلاف المدارس والمستشفيات، وتحوّلت مناطق واسعة إلى بؤر للنزوح والبطالة.
تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن 90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، فيما يعاني 66% منهم فقراً مدقعاً، مقارنة بنسبة 11% قبل اندلاع النزاع، وأكثر من 16.5 مليون شخص بحاجة إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية، أي ما يقارب ثلاثة أرباع سكان البلاد.
أما اقتصادياً، فقد خسر الناتج المحلي الإجمالي أكثر من نصف قيمته منذ 2010، بينما الدخل السنوي للفرد في سوريا قد انخفض بشكل كبير منذ عام 2010. وفقًا لتقرير صادر عن البنك الدولي في عام 2024، انكمش الناتج المحلي الإجمالي لسوريا بنسبة تصل إلى 84% بين عامي 2010 و2023، ما يعكس تدهوراً اقتصادياً حاداً.
ففي عام 2011، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للفرد في سوريا حوالي 3,017 دولاراً أمريكياً. بحلول عام 2022، انخفض هذا الرقم إلى حوالي 1,052 دولاراً أمريكياً. وفي عام 2023، بلغ الدخل السنوي للفرد حوالي 847 دولاراً أمريكياً. هذا التراجع الحاد في الدخل يعكس تأثيرات الحرب المستمرة والعقوبات الاقتصادية على الاقتصاد السوري، ما أدى إلى تدهور مستوى المعيشة وزيادة معدلات الفقر بين السكان.
وانكماش الاقتصاد بلغ 1.5% في 2024، مع توقع نمو ضعيف لا يتجاوز 1.3% في 2025، ما يجعل مسار التعافي الاقتصادي طويلاً وقد يستغرق أكثر من خمسين عاماً لاستعادة مستويات ما قبل الأزمة.
أما البطالة، فقد ارتفعت لتصل إلى حوالي 24% من القوى العاملة، مع فقدان ملايين السوريين فرص عمل مستقرة وانقطاع التعليم أصبح واقعاً يؤثر على الأطفال؛ إذ تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن 40–50% من الأطفال في سن التعليم الأساسي لا يلتحقون بالمدارس.
كما الأمن الغذائي يمثل تحدياً آخر؛ يعاني 60% من السكان من نقص في الحصول على غذاء كافٍ، في حين اضطر ملايين آخرون للاعتماد على المساعدات الغذائية أو الحوالات المالية من الخارج لتغطية احتياجاتهم الأساسية، وأسعار المواد الغذائية ارتفعت عشرات المرات مقارنة بما قبل الحرب، والليرة السورية فقدت أكثر من 99% من قيمتها، ما عمّق من أزمة المعيشة اليومية.
وبالنسبة للبنية التحتية الأساسية تضررت بشكل بالغ، حيث فقد قطاع الطاقة أكثر من 80% من طاقته الإنتاجية، وتعرضت 70% من محطات توليد الكهرباء لأضرار بالغة، فيما أصبحت شبكة الكهرباء الوطنية تعمل بطاقة منخفضة تقل عن 25% من قدرتها السابقة، والبنية السكنية تضررت بشدة أيضاً؛ من بين 5.5 ملايين منزل موجودة قبل الحرب، دُمّر نحو 328 ألف منزل بالكامل، وتعرض ثلث المساكن لأضرار كبيرة.
على مستوى النزوح والتهجير، يقدر عدد النازحين والمهجرين داخلياً بنحو 7.4 ملايين شخص، بينما يعيش أكثر من ستة ملايين لاجئ خارج البلاد، معظمهم في دول الجوار. ووسط هذا الواقع، لا تزال جهود التعافي متواضعة وتعتمد على الدعم الخارجي، حيث حصلت خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2025 على أقل من 40% من التمويل المطلوب.
أسباب مركّبة للفقر
يُرجع الخبراء ارتفاع معدلات الفقر إلى مجموعة من العوامل؛ أبرزها الحرب الطويلة التي دمّرت البنى التحتية، والعقوبات الاقتصادية التي زادت من عزلة البلاد، إضافةً إلى التضخم المتسارع وتراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، ما جعل البلاد تعتمد على المساعدات بشكل شبه كامل.
كما ساهم النزوح والتهجير الداخلي واللجوء الخارجي في تفاقم الأزمة، إذ يعيش ملايين السوريين في ظروف إنسانية صعبة داخل المخيمات، محرومين من التعليم وفرص العمل والرعاية الصحية.
يأتي اليوم العالمي لمناهضة الفقر هذا العام ليذكّر العالم بأن الفقر في سوريا ليس مجرد رقم في التقارير، بل هو وجوه الأطفال الجائعين، وأيادي النساء التي تبحث عن لقمة، وعيون الشيوخ التي أنهكها الانتظار.
في هذا اليوم العالمي، يتجلى حجم المعاناة السورية من الفقر كدعوة للمجتمع الدولي والمحلي على حد سواء، لإعادة النظر في السياسات، وتعزيز برامج الحماية الاجتماعية، وتأمين فرص عمل حقيقية، وإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة، ليتمكن السوريون أخيراً من العيش بكرامة، بعيداً عن رقابة الجوع والفقر المدقع.
No Result
View All Result