No Result
View All Result
أحمد عبد الرؤوف
شهدت الرقة ظلاماً موحشاً في ظل حقبة مرتزقة داعش على مدار ثلاثة أعوام حتى تم تحريرها عام 2017 على يد قوات سوريا الديمقراطية لتعود إليها الحياة مرة أخرى، وإذا ما توقفنا عند الحالة الأدبية في ظل احتلالها سنجد أنفسنا أمام حالة انعدام تام للحركة الأدبية بمختلف أشكالها وأجناسها ولاسيما أدب المرأة، ولابد أن نتذكر بهذا المقام أن كتابة الشعر والنثر والخوض في الفنون الأخرى سيكون ترفاً صعب التحقيق في وقت أُسدلت فيه الستارة السوداء على كل أضواء الحياة في مرحلة صعبة عاشتها النساء في تلك الفترة.
دور الأدب الواقعي بالتوثيق
الكاتبة “سوسن خليل” من مدينة الرقة والتي لم تتجاوز ثلاثة وعشرين ربيعاً استطاعت أن تعاصر تفاصيل الخوف والنزوح والموت، لتتفتق قريحتها عن حروف وثّقت تفاصيل المرحلة، ومن هنا يبرز الأدب الحديث ديواناً توثيقياً للتاريخ والأوضاع الإنسانية والسياسية أيضاً على حد سواء، ولابد أن نذكر أننا حين نكون بحضرة أديبة شابة عايشت تلك المرحلة التي كانت أقسى ما تكون على المرأة دون سواها، فذلك يعني أننا إزاء تجربة مهمة تستحق التمعن في تفاصيلها
أدب المرأة في عهد مرتزقة داعش
أبحرت الكاتبة سوسن خليل في سن مبكرة بأعماق الحكايا المؤلمة حين عايشتها بشكل مباشر في مدينة خيّم عليها الظلام بشكل كامل، فكانت تبصر بشكل يومي وجوه من ابتدعوا كل أشكال التعذيب بحق النساء من خلال أخذهن سبايا، فكانت أصداء جرائم مرتزقة داعش بحق الإيزيديات في شنكال كافية للكتابة بألم لا ينقطع، لتكون قصة “قناديل لا تنطفئ” نقلة نوعية بأسلوب الكتابة ومحاكاتها للواقع بصورة واقعية لا تخلو من التخييل والتكثيف الشعوري واستخدام المونولوج الداخلي والدراما المؤثرة في النفس تأثيراً عاطفياً شديداً.
“قناديل لا تنطفئ”
“عُرفت الهوية الكردية بجرائم الريح، لكن الجريمة تكون أعظم عندما يُخلق الإنسان كردياً وإيزيدياً في آنٍ واحد. جلست تتأمل بكاء الزجاج الذي كان يتلقّى صفعات المطر بعينين تائهتين في غرفتها ذات الجدران المحصّنة المليئة بالأشياء الباهظة الثمن والجميلة التي لا تعني لها شيئاً، تستذكر ما مرّت به في سنجار ونظراتها الأخيرة لعائلتها وأرضها قبل سبيها كما كانوا يقولون وإحضارها إلى سوق النخاسة في الرقة لتباع أو تهدى من وحشٍ لآخر كزورق لعبور الليل أو كقطعة حلوى بنكهةٍ إيزيدية معجونةٍ بالأقحوان، تنظر إلى مقبض الباب الخشبي بخوفٍ وارتياب مرددةً في نفسها: ترى من سيأتي هذه المرة؟
هل سيحاول إجباري على تغيير ديني أيضاً؟
تشبك يديها الباردتين ببعضهما برجفة عصفورٍ مبلل، ليقاطع صمتها الصارخ صوت مقبض الباب فينقبضُ قلبها ثم تهدأ قليلاً عندما تلمحُ أمرة جميلة التفاصيل وملونةٌ بالكدمات ترمي كيساً أسوداً عليها وترنو قائلة:
هيا.. زيني نفسك وارتدي ما يليق بالأمير، واحرصي على إسعاده وإلا..
ركضت روجين باتجاهها مستجيرةً وهي تردد بلهجتها المكسّرة:
“قربانك… ساعدني آني يريد يطلع من هون”
لتردد السيدة بدمعةٍ حارة وابتسامةٍ هشة:
لو استطعت المساعدة لكنت ساعدت نفسي”.
ثم أدارت ظهرها وخرجت مركزةً على إغلاق الباب بشكل محكم، اقتربت روجين من الكيس، فتحته فوجدت بداخله فستاناً أحمراً بالكاد يغطي أجزاءً قليلة من جسمها فارتدته فوراً ودون تردّد لأنها تعرف جيداً عواقب كلمة لا.

اقتربت من زجاج النافذة المبللة، التي يظهر خلفها ضوء خافت ممتزج مع حبات المطر لتنعكس صورتها، إنها المرة الأولى التي ترى بها وجهها منذ زمن، كل الأماكن التي مرت بها حرمت فيها المرآة، ربما لأنها تظهر عورة الواقع لهذا حرّموا المرآة في كل المدينة، نظرت إلى انعكاس صورتها، ووجهها الشاحب، وفستانها الأحمر وجسمها المنقوش بخرائط الوطن وآثار السياط، كل من مرّ بها ترك أثراً ملوناً وموجعاً قبل بيعها أو إهدائها فسألت تلك الفتاة التي تظهر في الزجاج بلغتها الأم التي حرمت منها أيضاً ببحةٍ وغصة كبحة الكمنجات حين تعزف الصبا قائلة:
ما الذنب الذي اقترفته لأصل إلى هذا الحال؟
ما ذنبي إذْ خلقني الله إيزيدية؟
اسمي ..عرقي ..ديني …لغتي.. أهي ذنوبٌ ارتكبت بحقي؟
لينكسر الضوء في عمق الزجاج وتدخل هي أيضاً في حالة هستيرية لينال منها التعب فتغفو.
كانت القناديل تزين (لالش) حملت البيض الملون، واتجهت نحو المعبد بخفتانها الأحمر المطرز بخيوط ذهبية وفضية وقطنية ملونة وكمبرها المزين بالليرات الذهبية.
لتجد حبيبها يخرج من وسط الزحام بشرواله الفضي ودسماله الأخضر المخرز.. حاملاً بيده باقة من الأقحوان، وكلما اقترب منها فُضح صمتها بصدى ضحكات قلبها.
قدّم لها الزهور وخاطبها قائلاً:
ها نحن مجدداً في عيد (جارشما سور) لقد عمّدت نفسي والآن هيا لنذهب والفرحة تغمر قلبه.
سألته بابتسامة خجولة:
إلى أين ؟!
أجابها: أولاً إلى التعميد لتعمّدي نفسك وثانياً إلى (البيشيمام) ليكمل قائلاً لم يعد بإمكاني مقاومة هذا الجمال ليخرج خاتماً من جيبه، ثم ينزل على ركبتيه فيرفع باقة الورود ويخاطبها:
هلّا أصبحتِ جبيتي؟
ليقرع الباب ثانية وتصحو من حلمها الذي لم يكتمل فيدخل وحشٌ لا يختلف عمن سبقوه فيفعل بها ما فعل البقية وهي كقطعة قماشٍ تهب عليها الريح فتصبح ريحاً أيضاً.

لطالما حاولت الهروب وفي كل مرة حاولت فيها كانت تختلف فيها الضريبة، هكذا مرت الأيام السوداء إلى أن مرضتْ وأُجبر الغراب الأسود إلى أخذها لعيادة الطبيبة، وهي في أسوأ حالاتها الصحية، حالما رأت الطبيبة وأُتيحت لها الفرصة في الجلسة الأولى استعطفت الطبيبة، وفي الثانية روت مأساتها، كانت الطبيبة تعاملها بخوف وحذر تخشى أن تتفوه بكلمة وتنال حتفها، لكن في الجلسة الثالثة وبينما كان الوحش جالساً في قاعة الانتظار يراقب النساء ويدقق في كمال لباسهن الشرعي كعادته كان يراقب أحذية النساء، فالحذاء هو السبيل الوحيد عند الرجال لمعرفة النساء في ظل تلك البقع السوداء التي كانت تتحرك في المدينة.
اقتربت الطبيبة من روجين أثناء المعاينة فدمدمت بعض الكلمات بصوت خافت قائلة:
سأساعدك على الخروج من هنا لكن يجب عليك مساعدتي على ذلك.
دخلت روجين في حالة صدمة، وصمت رهيب لكن عيناها تحدثتا.. فأكملت الطبيبة قائلة:
ارتدي هذا الحذاء الجديد، وضعي حذاءك في الكيس وخذيه معك،
فأخرجت روجين من صدرها محفظة قماشية مليئة بالليرات الذهبية وتردد:
ـ خذ شو ما بدك بس خلصني قربانك.
لتحتضنها الطبيبة وترد نقودها وتأمرها بالخروج دون خوف وتوتر مخاطبة إياها:
إنها فرصتك الأخيرة ساعدت الكثيرات من أمثالك، إما أن تنقذي حياتك أو كلانا سينال حتفه، ستجدين في الخارج سيارة زرقاء اصعدي بها فقط وصاحبها سيوصلك إلى بر الأمان.
ومع كل خطوة كانت تخطوها روجين. كانت تردد:
أنا كردية، لا أخشى، لا أُهزم
وقبل خروجها من العيادة التفتت نحو الطبيبة ركضت باتجاهها خاطبتها بخوفٍ:
وأنت شو يصير بيك بلكي ذبحوك؟
الطبيبة: لا تخافي سأدبر أموري اذهبي بحذر.
خرجت من العيادة لترى ذلك الوحش الثائر، وهو يثور ويهيئ نفسه للدخول إلى غرفة المعاينة، وفي كل خطوة كانت تخطوها كانت تتزايد دقات الطبول في صدرها وتحاصرها تلك الوجوه التي مرت بها وكلُّ الوحوش المفترسة التي كانت تراها كسلعةٍ لتفريغ شهواته اللامتناهية.
خرجت روجين مسرعةً ووجدت تلك السيارة الزرقاء التي حدثتها الطبيبة عنها وبدون أي تردد صعدت في السيارة، وسارت بها إلى حيث لا تدري التزمت الصمت ومن عينيها تفيض إشارات الاستفهام، لم تكن روجين تعرف إلى أين تتجه لكنها كانت مؤمنة بأنّ أي طريق تتجه إليه ستكون نهايته أرحم من ذلك الجحيم الذي كانت فيه، إلى أن خاطبها السائق باللغة الكردية وقال لها:
ma t u êzîdîye (هل أنت إيزيدية)؟
لم يكن لديها الطاقة لترد فأومأت برأسها إلى الأسفل مجيبة.
ليكمل الرجل محاولاً تهدئتها لا تخافي أنا معك لن يؤذيك ِأحد بعد الآن بعد مسافة باتجاه الشمال أوقف الرجل السيارة وأدخلها بيته، وحين دخلت بيته ورأت أسرته الصغيرة وبيته المتواضع وقطع الأنتيكا ولوحة (شاه ميران) في غرفة القبو التي استضيفت فيها عدة أيام قبل أن تصل إلى وطنها الأجمل ليعود النور إلى قلبها ثانية، ومنذ ذلك اليوم وحتى الآن كلما ذهبت روجين إلى معبد (لالش) المزين بآلاف القناديل وأشعلت قنديلاً تذكّرت تلك الليالي الحالكة، التي مرت بها ليتوهّج القنديل ويخبرها أنَّ الأمل مازال موجوداً وها هي الآن في (لالش) مرتدية خفتانها المطرز، بيدها البيض الملون تنتظر قدوم الحبيب والأقحوان ليُكملا حلمها ويشعلا قنديلاً جديداً لن ينطفئ أبداً.

فيما سلف نجد مسؤولية واعية من الكاتبة سوسن خليل بلغة شعرية واضحة وإصرار شديد على الحياة من خلال القفلة الرائعة للقصة والتي فتحت الباب لبطلتها لتعيش مرة أخرى رغم كل القيود والمأساة النفسية التي عانتها طوال فصول النص الذي لا ينقطع فيه عنصر التشويق والربط الشعوري المدهش، لنكون أمام تجربة أدبية فريدة وُلدت من رحم الكبت في مدينة كانت لا ترى النور عندما تشرق شمس الصباح على أشلاء أحلامها الضائعة.
الأعمال الأدبية لسوسن خليل
وفي حديث خاص لصحيفتنا “روناهي” أفادت الكاتبة سوسن خليل أنها منذ بدايات كتابتها اتجهت إلى القصة الواقعية، لأنها وجدت بها تصويراً للمشاهد التي عايشت شيئاً منها، والتي وصلت إليها على ألسنة نساء عايشنها بشكل واقعي، ثم لم تهدأ القريحة عن الوله بالمعاناة الناجمة عن الحروب التي عاشتها المدينة، فلم تبخل مشاهد الأطفال الذين روّعتهم أصوات القذائف، وعضّت على أحلامهم أزقة المخيمات الضيقة على قلمها في كل مناسبة، في قصة “بلا قبّعة” التي جسّدت حالة ذلك الطفل الذي ظل يحلم بشراء حذاء للعودة إلى المدرسة، وقصة “الريح لا تقتل الشجر” والتي استطاعت أن تلخص فيها الكاتبة قصة معتقلة خرجت من سجن صيدنايا بعد سقوط النظام البائد حاملة معها طفلها الذي ولد في السجن، فخرج غريباً لحياة لم يألف ضوءها من قبل، ولم تتوقف حكايات الكاتبة سوسن خليل عن تصوير المأساة السورية في قصة “كأنه لم يعد” تلك التي تحدثت عن المفقودين قسراً خلال سنوات الأزمة السورية، وعدد من الأعمال التي تناولت قضايا مجتمعية جوهرية لا تنفصل عن الواقع السوري خلال سنوات الحرب، لتكون سوسن خليل على صغر سنها تحمل مسؤولية إنسانية بأسلوب أدبي وفني مميز يحيط به نشاط أدبي كبير على مستوى الأنشطة والفعاليات في مدينة الرقة.
دور المرأة في الحراك الأدبي بعد التحرير
بعد تحرير مدينة الرقة من مرتزقة داعش في 20 تشرين الأول عام 2017، لم تتوقف الكاتبة سوسن خليل عند الكتابة، بل ترجمت نشاطها لفعاليات حثيثة على مستوى المشاركات والمبادرة بصناعة الحركة الأدبية، وذلك عبر المساهمة بإنشاء “منتدى أقلام رقّيّة” بالتعاون مع عدد من الشعراء والكتّاب والفنانين في مدينة الرقة، ليكون المنتدى منصة للموهوبين أمام متذوقي الأدب والفن، كما فسح المجال للنساء للمشاركة الواسعة بمختلف الأنشطة، حين كانت في الرئاسة المشتركة للمنتدى إلى جانب الشاعر سعيد السراج، ثم اتسعت الدائرة لينطلق ملتقى أطياف على مستوى شمال وشرق سوريا، ثم المهرجانات جاءت تباعاً بمشاركة فاعلة من الكاتبة سوسن خليل برفقة كوكبة من مبدعي الرقة، إلى ذلك بيّنت الكاتبة سوسن خليل أنها تنحدر من عائلة تتعدد فيها المواهب في العزف والغناء والكتابة، كما أشارت إلى دعم والدتها المستمر وإيلائها الوقت الكامل للكتابة ومتابعة جميع النشاطات، والتي لم تدخر جهداً في حضور جلها، في صورة تعكس حالة الوعي لدى العائلة ودور ذلك في بناء الشخصية الإبداعية بشكل متكامل.
يذكر أن الكاتبة سوسن خليل حصلت على المركز الأول على مستوى شمال وشرق سوريا عن قصتها “الكمأة” والتي تناولت خلالها عمالة الأطفال، ونشرت عدداً من أعمالها في مجلات وجرائد محلية وعربية خارج سوريا.
لالش: معبد الإيزيدية في شنكال
چارشماسور: الأربعاء الأحمر (عيد الإيزيديين)
البيشيمام: طقوس وتحاليل ما قبل الزواج تقام في المعبد
جبيتي: بالإيزيدية تعني زوجتي
شاه ميران: لوحة لأسطورة كردية.
No Result
View All Result