No Result
View All Result
د. طه علي أحمد
انطلقت أخيرًا حملةُ “السويداء مِنَّا وفينا” بهدف جمع ملايين الدولارات لدعم محافظة السويداء المنكوبة جنوبي سوريا، وبالفعل تجاوزت إيرادات الحملة 15 مليون دولار (حتى كتابة هذه السطور) وهو أمرٌ إيجابيٌ لا شك في ذلك؛ فالحملة التي انطلقت من خلال مبادرات أهلية وشعبية، كشفت عن وجدانٍ سوري ما زال نابضًا بالعطاء رُغم الأزمات الاقتصادية الخانقة، وهذا هو الجانب المُشرق الذي ينبثق من رحم الأزمات الثرية بالرسائل الاجتماعية والأخلاقية التي تحملها مثل هذه المبادرات.
ومع ذلك، فإن مثل هذه المبادرات، على أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحلول الجذرية، فالأزمةُ التي تمرّ بها السويداء، وسوريا عمومًا، ليست فقط نتيجة كارثة طارئة أو ظرف طبيعي قاسٍ، بل هي انعكاس لخللٍ هيكلي عميق في منظومة الإدارة والتنمية والحوكمة.
الخللُ المذكور هنا يؤكده تورط عناصر أمنية تابعة للحكومة الانتقالية في دمشق بالإضافة لمجموعات موالية لها غالبية الاضطرابات والأحداث التي شهدتها محافظة السويداء ومناطق الساحل وما أسفرت عنه من فوضى وانفلات يهدد أمن البلاد وسلامة وحدتها، ولعل الأداء الضعيف للجان تقصي الحقائق التي شكلتها الحكومة الانتقالية لمتابعة أحداث السويداء الأخيرة ومن قبلها أحداث الساحل خير دليل على غياب الإرادة المطلوبة لمعالجة حقيقية وعميقة لمثل هذه الأزمات، بل لعلنا لا نذهب بعيدًا عند القول: إن أداء الحكومة الانتقالية في هذا الصدد يغلب عليه منطق “إدارة الأزمات” وليس “حل الأزمات”، الأمر الذي يدفعنا للقول – أيضا – إن الحكومة الانتقالية لم تتعامل مع الأزمات باعتبارها تهديدًا لبنية الدولة، بل كأداة لإعادة ضبط المشهد الداخلي وتبرير تشديد القبضة الأمنية.
بعبارةٍ أخرى، فإن هذا النهج القائم على “توليد الأزمات” واحتوائها بشكل انتقائي يُعبّر عن استراتيجية سياسية تهدف إلى إضعاف المجتمع وإبقائه في حالة من التوتر والاعتماد على الدولة. وبالتالي، فإن مسؤولية السلطة الحاكمة لا تقتصر على الفشل في معالجة الاختلالات البنيوية التي تعصف بسوريا، بل تمتد إلى تورّطها الفعلي في إنتاج تلك الأزمات وتغذيتها، في إطار مشروعٍ سياسي يقوم على استثمار الفوضى للحفاظ على تماسك السلطة لا على تماسك الوطن.
الاستطراد السابق لا ينفصل عما بدأنا به بشأن حملة “السويداء منا وفينا”، والتي رغم وجاهتها وشدة احتياج المجتمع السوري إلى مثل هذا الجهد المجتمعي، إلا أن السياق العام لها يبرز العديد من الفضائل الغائبة؛ ففي حين أن التبرعات قد تخفف المعاناة مؤقتًا، إلا أن معالجة الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع تتطلب مشروعا إصلاحيا واسع النطاق ويرتكز على جوانب إدارية وسياسية واقتصادية…إلخ، الأمر الذي يوجب إعادة النظر في ممارسة العديد من الوظائف بداية من استخراج الموارد (الوظيفة الاستخراجية) وإعادة توزيعها (الوظيفة التوزيعية) كوظائف أصيلة لأي نظام سياسي ديمقراطي كما تتفق أدبيات العلوم السياسية، وصولًا إلى إحياء مؤسسات الدولة على أسس الكفاءة والشفافية والمساءلة ومعالجة القضايا المجتمعية من منطلق الاندماج الديمقراطية.
إن ما تحتاجه السويداء – كما غيرها من المحافظات السورية – هو تنمية مستدامة تعيد بناء البنية التحتية، وتخلق فرص العمل، وترد الاعتبار للهوية السورية في إطار “أمة ديمقراطية” تتجاوز حدود العرق والطائفة والمذهب.. إلخ بما يمنح المجتمع المحلي القدرة على الاعتماد على ذاته بدلاً من انتظار المساعدات.
الغاية إذا، إن حملة “السويداء منا وفينا” هي نقطة ضوء وسط الظلمات، ودليل على أن السوريين قادرون على الوقوف إلى جانب بعضهم مهما اشتدت الأزمات، لكنّ الأمل الحقيقي لن يتحقق إلا إذا تحوّل هذا الحسُّ المجتمعي إلى إرادة حقيقية من جانب الحكومة الانتقالية للتحول نحو إصلاح مؤسسي وهيكلي قائم على التشاركية المجتمعية بشكل عام؛ تشاركية من شأنها أن جذور المشكلة لا أعراضها فقط.
بعبارة أخرى، كما أن المجتمع لا يزال يمتلك حسًّا بالمسؤولية تجاه أبنائه، وأن التضامن يمكن أن يتجاوز الانقسامات السياسية والطائفية والجغرافية حين يكون الهدف إنقاذ الإنسان، فعلى الحكومة الانتقالية أن تدرك مسؤوليتها نحو التحول لفلسفة تشاركية في إطار لامركزي يحفظ وحدة البلاد وتماسكها في إطار اندماج ديمقراطي يعتز فيه الجميع بخصوصياتهم الثقافية الأصيلة تحت مظلة وطنية ثرية ومدعومة بتنوعها، بعيدا عن الأحادية السلطوية تفجرت على إثرها أزمة السويداء وغيرها.
No Result
View All Result