قامشلو/ دعاء يوسف ـ في السادس عشر من تشرين الأول، تحتفل صحيفة “روناهي” بذكرى تأسيسها، حاملة إرث أربعة عشر عاماً من الكفاح الإعلامي، منذ ولادتها في حلب عام 2011 وسط ركام الحرب، حتى صيرورتها منبراً حراً لنقل صوت الشعب لا السلطة، فكانت “روناهي” ولا تزال مرآةً للمجتمع، تكتب بالحبر ما عجز الرصاص عن فعله، مؤكدةً، أن الصحافة الحرة فعل مقاومةٍ وصونٍ للذاكرة، وأن الكلمة حين تُكتب بصدقٍ تبقى أقوى من الظلم.
في زمنٍ علا فيه دويّ البارود على وقع الحروف، وتاهت الحقيقة بين أنياب السلطة والساسة، وُلدت صحيفة روناهي من رحم الألم، كشمعةٍ تتحدّى العتمة، لتعلن أن للكلمة جبهةً تقاتل، وللصدق رايةً لا تُنكس.
في السادس عشر من تشرين الأول عام 2011، وفي حلب التي كانت تختنق تحت رماد الحرب ولهيبها، انطلقت من أزقّة حيّ الشيخ مقصود أولى أنفاس صحيفة روناهي، لا بتمويلٍ أو إملاءٍ سلطوي، بل بإيمان مجموعةٍ من المثقفين والإعلاميين بأن الصحافة الحرّة هي البذرة الأولى لمجتمعٍ أخلاقيٍّ ديمقراطيٍّ يليق بالإنسان.
وكانت ولادتها صرخةً في وجه الموت، وولادةً وسط العاصفة، إذ لم يكن هناك ما يشجّع على انطلاقها، لا أمنٌ ولا استقرار، فقط إرادةٌ صلبة لمجموعةٍ آمنت بأن الصمت خيانة، وأن الشهادة على الحقيقة واجب، واختار مؤسسوها أن تكون صحيفة الشعب لا السلطة، لسان المهمَّشين لا صوت النافذين، وأن تكتب بالحبر ما يعجز الرصاص عن قوله.
من حلب إلى قامشلو
ورفضت “صحيفة روناهي” منذ بدايتها لغة التزيين السلطوي، وابتعدت عن الصحافة التقليدية التي خضعت لعلاقات النفوذ، لتتخذ موقعها في صف الكلمة الصادقة، وتعلن انحيازها الكامل للمجتمع والقضايا التي تمسّ حياتهم اليومية، وكانت روناهي منذ كتابة سطرها الأول تواجه حقيقية الإعلام الخاضع، محاولةً تأسيس نموذج جديد للصحافة المجتمعية المستقلة.
ولم يكن الطريق أمامها سهلا، فمدينة حلب، التي شهدت ولادتها كانت تعيش ظروفاً أمنية وسياسية صعبة، ومع ذلك استمرّ العاملون فيها في الطباعة والتوزيع بسرّية تامة، وبين مطبعةٍ متخفيةٍ في ركنٍ مظلم وأقلامٍ تصرّ على كتابة الحقيقة، كانت “صحيفة روناهي” تشقّ طريقها بإصرارٍ وإيمان.
ومع اتساع نشاطها، اتسع الخطر أيضاً، إلى أن اضطرت الصحيفة لمغادرة حلب في عام 2013، متجهةً إلى قامشلو، حيث بدأت مرحلة جديدة من عملها، هناك أعادت تنظيم هيكلها التحريري والإداري، ووسّعت نطاق تغطيتها ليشمل مدناً عدة من عفرين إلى كوباني والشهباء، ولتصبح حاضرةً في مختلف مناطق إقليم شمال وشرق سوريا، ورغم كل الصعوبات، واصلت روناهي العمل بروحٍ لا تعرف التراجع، محافظةً على رسالتها في نقل الحقيقة والدفاع عن قيم الحرية والعدالة.
ومع مرور الوقت، أصبحت الصحيفة أكثر من منبرٍ إعلامي، لتتحول إلى مشروع فكري يرنو إلى خلق صحافةٍ جديدة، صحافةٍ تكتب باسم الناس، لهم لا عنهم، ومن قلبها وُلدت مؤسسة روناهي للإعلام والنشر، كجسدٍ يحمل الروح نفسها، وينبض بفلسفةٍ ترى في المجتمع الأخلاقي والسياسي الديمقراطي بديلاً عن ذهنية الدولة، وترى في المرأة مركز التغيير لا هامشه.
فمنذ صدور عددها الأول “العدد صفر”، لم تكن صحيفة “روناهي” مشروعاً إعلامياً عادياً، بل ولادة جديدة في زمنٍ كانت فيه الكلمة تواجه الرصاص، والحقيقة تُحاصر في أروقة السلطة، حيث انطلقت وهي تحمل قناعة راسخة بأن الصحافة الحرة لا تُبنى على التبعية، وأن القلم يمكن أن يكون معولاً يهدم ذهنية الهيمنة، لا أداة تبرير.
مناهضة السلطة… لسان الشعب
وأصبحت صفحات “روناهي” مرآةً لمجتمعٍ يتشكّل من جديد على أنقاض القديم، حيث كتبت عن المرأة كما لم يكتب أحد من قبل، لا بوصفها ضحيةً بل بوصفها فاعلة، وقائدة، وحاملةً للنور في أكثر اللحظات ظلاماً، وفي كل مقالٍ كان هناك ظلّ امرأةٍ تمسك القلم وتعيد تعريف الحرية، وفي كل تقريرٍ كانت هناك محاولة لفهم ما يحدث لا من فوق، بل من قلب الناس.
ولم تكن تسعى إلى الإثارة الصحفية، بل إلى الوعي، إلى تلك المساحة التي يتحوّل فيها الخبر إلى معرفة، والمعلومة إلى وعيٍ جماعيٍّ يقاوم النسيان. وصدرت صحيفة روناهي في البداية بـ اثنتي عشرة صفحة باللغة العربية وبالحجم الصغير، وبعد صدور العدد الخامس كانت تحمل أربع صفحات باللغة الكردية، وخلال عام من صدورها تم زيادة عدد صفحاتها إلى ست عشرة صفحة باللغتين “العربية والكردية”، وقبل أن تكمل الصحيفة عامها الأول، صدر عنها العدد صفر من مجلة الأطفال “مزكين” والتي تهتم بتربية وثقافة الأطفال، في الأول من أيلول عام 2012م، باللغتين العربية والكردية، وقد كانت مجلة شهرية.
وبعد ثلاثة أعوام وفي ذكرى انطلاقتها عام 2014 صدر العدد الأول من صحيفة روناهي بحجم أكبر، وحمل العدد الرقم 150 باللغة العربية والعدد 137باللغة الكردية، في مقاطعة الجزيرة حينها، ونظراً للحصار المطبق على عفرين، صدرت الصحيفة فيها بالحجم الكبير خلال عام 2016م، ومن ثم خطت الصحيفة خطوة أخرى بعد فترة وجيزة، حيث صدرت الصحيفة مرتين في الأسبوع، وإصدار العدد العربي والكردي كل على حدة، ولتصبح مجلة “مزكين” نصف شهرية.
ومع مرور الزمن، بدأت “روناهي” تتوسّع في كل الاتجاهات، حيث فتحت مكاتبها في المدن والبلدات، طبعت بالأيدي نفسها التي كانت بالأمس تحفر الكلمات على الورق في الخفاء، وفي 28 أيار 2018م، تحوّلت إلى صحيفةٍ يومية، لا تنام عن الأحداث ولا تنفصل عن الناس، وتنشر باللغتين “العربية والكردية” ولغةٍ أخرى لا تُكتب لكنها تُقرأ في كل سطر، وهي “لغة الانتماء”.
وبذلك أصبحت روناهي جسراً بين الشعوب بالرغم من اختلاف الثقافات، والمقالات المنشورة يمتزج فيها الفكر بالوجدان، والسياسة بالثقافة، والمجتمع بالحبّ، وفي كل عددٍ جديد كانت تحفر خطوةً أخرى في طريقها الطويل نحو الحقيقة.
وعلى مدى أربعة عشر عاماً من العمل والكفاح، لم تتوقف “روناهي” عن حمل هموم الناس، فكانت تتابع قضاياهم، وتنقل أصواتهم، وتضع الضوء على مواطن الخلل، وتقدّم الحلول الممكنة، من التقارير الميدانية إلى الصفحات الثقافية والفكرية، من قصص النساء إلى وجع المخيمات، ومن قضايا الاقتصاد إلى ملفات البيئة والرياضة، كانت الصحيفة تسعى لأن تكون مرآةً للواقع، لا مجرد ناقلٍ له، وهي اليوم تُصدر نسخها اليومية والإلكترونية باثنتي عشرة صفحة عربية وثماني صفحات كردية.
حبرٌ امتزج بالتضحية
وكغيرها من وسائل الإعلام، لم تكن “روناهي” بمنأى عن الثمن، فقد دفعته غالياً من دماء من أحبّوها، ورحل عنها من كتبوا بقلوبهم قبل أقلامهم، ومنهم الشهيد الكاتب حسين شاويش (هركول)، والراحل “طارق علوان”، والكاتب “خليل كالو”، وغيرهم من فرسان الكلمة الذين فهموا أن الصحافة في زمن الحرب ليست مهنة، بل شكلٌ من أشكال المقاومة.
ومع كل خسارةٍ كانت تزداد عناداً، لم يوقفها الاحتلال ولا النزوح ولا تغيّر الخرائط، فبقيت تصدر، وتوزّع، وتصل إلى القرى البعيدة والمدن، تُقرأ في المقاهي، وفي الخنادق، وعلى طاولات المعلمات، وفي مكاتب الصحفيين الجدد الذين تعلّموا منها أن الصحافة ليست وظيفة، بل التزاماً أخلاقياً تجاه المجتمع، من داخلها خرجت أقلامٌ شابة، تعلّمت أن تكتب بجرأةٍ دون خوف، وأن ترى في كل كلمة مسؤولية لا مجرّد حروف، ويتم توزيع العددين الورقيين للقسم الكردي والعربي عبر “شركة الشمال للتوزيع” في عموم مناطق إقليم شمال وشرق سوريا وشنكال، وبكوادر وإمكانات محلية.
فـ “روناهي” اليوم ليست مجرد صحيفةٍ عمرها أربعة عشر عاماً، بل ذاكرة جماعية لشعبٍ يسعى لتثبيت صوته على الورق، كي لا يمحى من التاريخ، إنها سجلٌّ حيٌّ لرحلةٍ من الكفاح الفكري والثقافي والسياسي، ومساحةٌ للذين لم يجدوا من يسمعهم في زحام العالم، صفحاتها تنبض بالقصص الصغيرة التي تشبه نبض المجتمع، من قصة امرأةٍ تبحث عن عدالة، إلى طفلٍ يحلم بمدرسة، مروراً بمزارعٍ يزرع أرضه رغم الخطر، ومقاتلةٍ تحمل صور صديقاتها، وشعبٍ بأكمله يحاول أن يكتب تاريخه من جديد.
روناهي… الكلمة التي لا تُطفئ
وربما هذا ما جعل “روناهي” مختلفة عن الصحف المحلية الأخرى، فهي لم تُخلق لتكون صحيفةً عابرة على رفوف المكتبات، بل التجسيد الحيّ لشعارها “عين الحقيقة”، العين التي ترفض أن تُغلق، التي ترى ما وراء الضباب، وتكتب عن العالم لا كما يُقدَّم في نشرات الأخبار، بل كما يعيشه الناس في قراهم ومدنهم ومخيماتهم، وهي المكان الذي يلتقي فيه الحبر بالوجدان، والصدق بالمسؤولية، والجرأة بالحبّ.
وفي ذكرى تأسيسها، تقف “روناهي” أمام نفسها كما يقف الإنسان أمام مرآةٍ يرى فيها طريقه الطويل، تذكر من رحلوا ومن بقوا، من طبعوا أول الأعداد ومن يكتبون اليوم خلف الشاشات، وتدرك أن ما جمعهم جميعاً ليس المهنة، بل الإيمان بأن الحقيقة لا تموت، وأن الكلمة الحرة قادرة على أن تفتح طريقاً في أكثر الجدران صلابة.
اليوم، وبعد قرابة عقدٍ ونصف على انطلاقتها، تُصرّ “روناهي” على أن تبقى وفية لشعارها، “عين الحقيقة”، صحيفةً لكل الشعوب والمكوّنات، بلا تمييزٍ ولا إقصاء، تنشر فكر الأمة الديمقراطية وأخوّة الشعوب، وتحتفي بالتنوع الثقافي والفكري والديني، وفي ذكرى تأسيسها تجدد صحيفة “روناهي” عهدها لقرائها، بمواصلة مسيرتها، محافظةً على شعلتها الأولى، وأن تبقى منبراً ينقل الحقيقة، ويمنح الصوت لمن حُرم من الكلام.