No Result
View All Result
ليلى خالد (كاتبة وقاصة)
رغم مرور سنوات عديدة على اندلاع الأزمة السورية، ما زال حيَّا الشيخ مقصود والأشرفية يعانيان من تبعاتها على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية.
كل حدث يمر عليهما يُواجه بإرادة صلبة نابعة من تآلف وتعاضد الشعوب والطوائف القاطنة فيهما، ما خلق بين السكان حالة من الوحدة والتآخي والترابط على أسسٍ من المبادئ والقيم الأخلاقية والإنسانية، وينظم الأهالي أنفسهم ضمن نظام الكومينات والمجالس الشعبية لتمتين أواصر لحمتهم الوطنية والمجتمعية، ومن خلاله يتمتعون بكامل حقوقهم الوطنية دون أي تمييز عرقي أو طائفي، فيشكلون بذلك قوة كبيرة إلى جانب الإدارة الرشيدة وأبنائهم في قوى الأمن الداخلي الذين يحمون الحيين.
سقط النظام البعثي ودخل متاحف التاريخ /الأسود/، لكن السياسات القمعية لا تزال مستمرة على هذين الحيين اللذين يعانيان تضييقاً خانقاً. ففي السادس من تشرين الأول عام 2025، شهد حيا الشيخ مقصود والأشرفية احتجاجاً سرعان ما تحول إلى انتفاضةٍ شعبية كبرى، وُصفت بالأوسع والأشمل منذ السنوات الأولى للثورة السورية التي اندلعت قبل أكثر من عقد ونيف.

جاءت الانتفاضة رفضاً من السكان لرفع السواتر الترابية على المداخل الرئيسية للحيَّين بهدف حصارهما، وقطع الطرق من وإلى الأحياء الأخرى في مدينة حلب، ما أعاق حركة الأهالي والعمال وطلاب الجامعات والمدارس، ووقف دخول المواد التموينية والطبية والمحروقات، ويُعد ذلك خرقاً لاتفاق العاشر من آذار الذي وُقع بين رئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع والقائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، والمتضمن ثمانية بنود، والذي انبثقت عنه اللجنة التي أبرمت اتفاقية الأول من نيسان، وقد أدى ذلك إلى عرقلة الحياة الطبيعية في الحيين تحت ذرائع واهية، من قبيل أن المنطقة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، وأنها أصبحت معقلاً لفلول النظام أو مكاناً لتجارة المواد المخدرة.
أدى الحصار إلى استياء وغضب شعبيين كبيرين، خاصة بعد أن أصبحت المواد الأساسية شبه معدومة، وحُرم الطلاب الجامعيون من امتحاناتهم، وتغيب تلاميذ المدارس والعمال عن أعمالهم، ما أجج حالة من الغضب الشعبي.
بدأت الاحتجاجات بتجمع الأهالي العُزل تلبية لنداء المجلس العام للحيين، في تظاهرة سلمية رفعت شعارات موحدة مثل: “واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد”، و”شيلوا السواتر، شيلوا السواتر”، ولم يغب الطبل والزغاريد عن المشهد، في تعبير ثقافي موروث من الشعب الكردي، لإبراز سلمية الحراك وبُعده عن العنف.
جاءت هذه الانتفاضة لتراكمات من المعاناة المستمرة على مدى أسابيع من منع دخول الوقود والمواد الأساسية، إلى جانب المضايقات والاختطافات العامة والممارسات التعسفية بحق الشبان الكُرد على وجه الخصوص، وقد وجهت الإدارة العامة للحيين، ومجلس الوجهاء، والمؤسسات المدنية، نداءات متكررة للجهات المعنية للتدخل ووقف هذه الانتهاكات وإزالة السواتر ورفع الحصار، دون أي استجابة لمطالبهم المشروعة.

ما أشعل الاحتجاجات السلمية التي تُعد بقعة ضوء على هشاشة البنية الأمنية والاقتصادية في “سوريا الجديدة”، خاصة بعد أن واجهت السلطات إرادة الأهالي العُزل بالمصفحات والمدرعات والقنابل المسيلة للدموع والرصاص الحي، ما أدى إلى ارتقاء شهداء وجرحى وحالات اختناق، وأثار حالة من الرعب والذعر في صفوف السكان.
ما أود طرحه في هذا المقال هو التوقف عند بعض التناقضات الواضحة فيما جرى من أحداث، وما تم تداوله عبر وسائل الإعلام المغرضة حول أسباب الحصار وتحشيد الآلاف من العناصر الأجانب حول الحيَّين.
ففي البروتوكول الموقع بين اللجنة المكلفة باتفاقية الشرع – عبدي والإدارة المشتركة لمجلسي حيي الشيخ مقصود والأشرفية، كان أحد البنود ينص على خروج قوات “قسد” مع أسلحتها الثقيلة باتجاه شرق الفرات.
ألم يكونوا هم أنفسهم من نقلوا وقائع تنفيذ بند الخروج عبر البث المباشر؟
ثم من جهة أخرى، يُقال إن الحيين أصبحا معقلاً لفلول النظام، ولنفترض جدلاً أن ذلك صحيح، أليس من حق المواطن السوري أن يعتبر كل منطقة في وطنه مأمناً له؟
فمن الجدير بالذكر أن الحيين كانا ملاذاً آمناً لكل من كان يُلاحق أو يُطارد من النظام البعثي الشوفوني أيضاً بتهمة المشاركة في المظاهرات والمطالبة بالحرية. لم يتوان أي مواطنٍ سوري للحظة عن اللجوء إلى حيي الشيخ مقصود والأشرفية ليقينه بالقيم الأخلاقية التي تسودهما وذلك طلباً للحماية من الممارسات التعسفية والإهانات والتعذيب والقتل.
وإن أغلقنا أبوابنا أمام من طلب اللجوء والحماية، فما المصير الذي ينتظره؟ أليس الإذلال والتعذيب والقتل ذبحاً أو رمياً بالرصاص أو حرقاً؟ ألم نشهد هذه المشاهد المؤلمة في مجزرة كنيسة مار إلياس في دمشق وتكررت مروراً بالساحل والسويداء وغيرها؟
بعد سقوط النظام، عشنا معاً كسوريين لحظات من نشوة الانتصار، إلى أن بدأت المجازر الانتقامية، وجرى نعت كل من كان يعمل في مؤسسات الدولة بالبعثي أو الفلول، دون تمييز. مع هذه الحالة ووقوع الأحداث والمجازر انعدمت الثقة وخلقت فجوة كبيرة بين الشعوب والطوائف من جهة، والحكومة السورية الانتقالية ذات الفكر الأحادي الإقصائي من جهة أخرى. ينبغي محاسبة كل من تسبب في نزف قطرة دم سورية، أو كان سبباً في دموع أم، أو في معاناة النساء بكل أشكالها، دون تمييز.
إن هناك حاجة ماسة لبناء دولة القانون التي تدعم السلم الأهلي وتضمن العدالة الانتقالية، وحينها سيكون من الضروري تسليم كل من ارتكب جريمة أو نهب أموال الشعب للمحاكم القضائية المختصة لتأخذ العدالة مجراها، ويُحاسب المذنب وفق القانون.
فالحالة الانتقامية التي نشهدها لا يمكن أن تكون حلاً لأي من أزمات الشعب، بل إنها تؤجج مشاعر العداء وتزيد الفوضى والدمار وتُطيل أمد النزاع وتفتح الباب أمام حروب أهلية وطائفية يصعب وقفها لاحقاً.
منذ بداية الثورة السورية وحتى سقوط الحكم البعثي يبقى هذان الحيان، رغم صِغر مساحتهما، حضناً واسعاً احتضن ويحتض كل من يلجأ إليهما طلباً للأمن والأمان.
وفي الختام يمكن القول، إن على السوريين أن يتجاوزوا الأحقاد الدفينة، وألا يتحولوا إلى أدوات لارتكاب المجازر بحق بعضهم البعض. فنحن جميعاً أبناء هذا الوطن الجريح. لنمُد الأيادي للمصافحة والمسامحة، ولنضمد جراحنا، ونسعى معاً لبناء سوريا جديدة يسودها الحب والسلام والوئام، وننبذ الكراهية والبغضاء.
No Result
View All Result