No Result
View All Result
روديا عبدو
مع انطلاق العام الدراسي الجديد، تعود المدارس تنبض بالحياة، وتعود ضحكات الصغار فتملأ الساحات والممرات، حاملين حقائبهم الصغيرة المليئة بالدفاتر والألوان والأحلام، لكن خلف تلك البهجة الظاهرة، يختبئ عالم واسع من المشاعر المتداخلة التي يعيشها الأطفال، ما بين الحماس، والخوف، والفضول، والرغبة في الانتماء.
تعد الأسابيع الأولى من العام الدراسي، مرحلة حساسة تشبه “العبور من عالم اللعب الحر إلى عالم التنظيم والانضباط”، وهنا تقع على عاتق الأهل والمعلمين مسؤولية مزدوجة “تهيئة الطفل نفسيًا وتربويًا، وتقديم بيئة آمنة مشجعة لا تزرع الخوف بل الفضول وحب المعرفة”.
ويُنصح الأهل بالحديث المسبق مع الطفل عن المدرسة، بعبارات إيجابية، تُشعره بالأمان والاهتمام، مع تجنّب التهديدات من نوع “إن لم تدرس ستُعاقب”، لأنها تزرع الخوف بدل الدافع. كما أن إشراك الطفل في شراء أدواته واختيار حقيبته أو ملابسه يمنحه شعورًا بالاستقلال والثقة.
المدرسة من منظور الطفل
ومن منظور الطفل، المدرسة ليست فقط مكانًا للتعلم، بل عالماً اجتماعياً جديداً مليئاً بالوجوه المجهولة والقواعد المختلفة، بعض الأطفال يواجهون قلق الانفصال عن الأهل، فيتعلقون بهم في الباب المدرسي، بينما يظهر آخرون انطواءً أو مقاومة خفية للدخول. هذه السلوكيات طبيعية جدًا، وهي ليست “دلَعًا” كما يظن البعض، بل رد فعل طبيعي لشعورهم بعدم الأمان في بيئة جديدة.
وهنا يبرز دور المعلم كجسرٍ بين الأمان المنزلي والعالم الخارجي، فالكلمة الطيبة، والابتسامة، والاحتواء العاطفي، أهم من أي درسٍ أكاديمي في الأيام الأولى، فالأطفال لا يتعلمون من الأشخاص الذين يخافونهم، بل من الذين يمنحونهم الطمأنينة.
كيف يتصرف الأطفال في الأيام الأولى؟
تتعدد أنماط تصرف الأطفال فهناك من يُظهر حماسًا مفرطًا، يتحدث بلا توقف ويريد معرفة كل شيء، وهناك من يتخذ موقف المراقب الصامت، يكتفي بالنظر ولا يبادر بالمشاركة، وبعضهم قد يظهر سلوكًا عدوانيًا بسيطًا نابعًا من القلق أو الخوف. وكل هذه السلوكيات تحتاج إلى قراءة واعية من المربين، لا إلى أحكام. فالتقويم السريع قد يزرع في الطفل إحساسًا بالرفض يصعب محوه لاحقًا.
الاحتواء هو البداية الصحيحة للتعليم
وأثبتت الدراسات التربوية الحديثة أن السنوات الأولى من التعليم تُشكل الركيزة الأساسية في تكوين شخصية الطفل، فإذا شعر بالأمان والقبول، انفتح على التعلم والإبداع، أما إذا شعر بالخوف أو الإقصاء، أُغلق وجدانه وتراجع أداؤه. ومن المهم أن يدرك المربّون أن التعليم الحقيقي يبدأ من العلاقة الإنسانية، لا من المناهج، فالكلمة المشجعة، والابتسامة، والاحتفاء بالخطأ كفرصة للتعلم، هي مفاتيح تنمية الثقة بالنفس والتفكير الإبداعي لدى الطفل.
فبداية العام الدراسي ليست مجرد تقويمٍ جديد، بل بداية حكاية جديدة لكل طفل.. فلنستقبلهم بالحب، لا بالتوجيهات القاسية. ولنرَ في كل طفلٍ مشروع إنسانٍ كامل، يحتاج فقط إلى من يؤمن به. فحين يشعر الطفل بالأمان والانتماء، يبدأ حقًا أولى خطواته نحو التعلم، ونحو بناء مستقبلٍ يليق ببراءته.
No Result
View All Result