No Result
View All Result
أناهيد قصابيان
في لحظة فارقة من تاريخ سوريا، انعقد في مدينة الحسكة كونفرانس نسوي، حمل رسائل تتجاوز حدود المكان والزمان. لم يكن هذا اللقاء مجرد اجتماع عابر، بل فعل مقاومة سياسي وفكري، أكّد أنّ المرأة ليست على هامش التاريخ، بل في صلبه، وأنّها صاحبة الكلمة والقرار في مستقبل البلاد.
أهمية الحدث برزت من توقيته، حيث تتعرض مناطق شمال وشرق سوريا لهجمات واعتداءات متكررة من مرتزقة تركيا، الذين يستخدمون الخطف والاغتيال لكسر إرادة النساء، بالتوازي مع تهديدات الحكومة السورية الانتقالية ومحاولاتها لإقصاء هذه المناطق. وسط هذا المشهد القاتم، جاء الكونفرانس ليؤكد أنّ النساء لن تُقصى ولن تُحاصر، وأنّهن قادرات على تحويل التهديد إلى فرصة لمزيد من التنظيم والتماسك.
النقاشات خلال الكونفرانس حملت نقداً واضحاً للدستور السوري الحالي، الذي حدّد مشاركة المرأة في البرلمان بنسبة 20% فقط، وكأنّها رقم يُستحضر للزينة السياسية. في المقابل، أثبتت تجربة ثورة التاسع عشر من تموز في شمال وشرق سوريا أنّ المرأة قادرة على شراكة متكافئة بنسبة 50% في جميع المؤسسات، وأنّها تستطيع أن تصل إلى موقع رئاسة سوريا نفسها.
هذه المقارنة كشفت الفجوة بين واقع المرأة في المناطق الخاضعة لسلطة الدولة والواقع الثوري التحرري، الذي صنعته النساء في الشمال الشرقي. الحاضرات من الشخصيات النسوية المتنوعة قدّمن رؤى متكاملة لبناء سوريا ديمقراطية لا مركزية، تستوعب التعددية وتضمن العدالة. لم تقتصر كلماتهن على التنظير، بل كانت شهادات حيّة على معاناة النساء في ظل الخطف والانتهاكات الجسيمة، وإصرارهن على أن هذه التجارب المؤلمة لن تضعفهن، بل ستضاعف من عزيمتهن على المضي نحو الحرية والمساواة.
لقد تحوّل كونفرانس نساء شمال وشرق سوريا الذي انعقد في الحسكة إلى ما يشبه ميثاقاً جديداً، ميثاقاً يعلن أنّ مستقبل سوريا لن يُبنى على الاستبداد أو الإقصاء، بل على المشاركة الحقيقية، والاعتراف بالمرأة كقوة طليعية في مشروع التغيير. رسالة واضحة خرجت من الحسكة لتصل إلى كل سوريا: أنّ المرأة ليست تابعة ولا هامشية، بل هي قائدة وصانعة للقرار، وأنّ أي دستور أو نظام لا يعكس هذه الحقيقة، هو دستور ميت قبل أن يولد.
No Result
View All Result