No Result
View All Result
محمد عيسى
في مساء يوم الاثنين، الخامس من تشرين الأول 2025، وقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام عدسات العالم، ليكشف عن خطةٍ من عشرين نقطة قال: إنها “ستُنهي الحرب في غزة وتفتح صفحة جديدة للسلام في الشرق الأوسط”.
اللقطة كانت رمزية بامتياز: ترامب يعود إلى البيت الأبيض بعد حملة انتخابية حافلة بالجدل، ونتنياهو يحمل عبء حرب استمرت أكثر من عامين في غزة، أودت بحياة أكثر من 37 ألف فلسطيني، وقرابة 1800 إسرائيلي، وفق تقديرات الأمم المتحدة حتى نهاية أيلول 2025.
لكن ما بدا لحظةَ أملٍ في قاعة المؤتمرات، كان في الوقت نفسه لحظة اختبارٍ سياسي عميق: هل يمكن لخطة أميركية جديدة أن تُنهي حرباً تجاوزت حدود الجغرافيا الفلسطينية إلى عمق التوازنات الإقليمية؟
منذ بداية الحرب في السابع من تشرين الأول 2023، بعد هجوم “طوفان الأقصى” الذي شنّته كتائب القسام على المستوطنات الإسرائيلية المحاذية لغزة، لم تنجح أي مبادرة دولية في وقف النار أو رسم مسار سياسي مستدام. لذلك؛ بدا إعلان ترامب في الخامس من تشرين الأول 2025 نقطةَ تحوّلٍ، خصوصاً مع حضور نتنياهو ومشاركة ممثلين عن قطر ومصر والولايات المتحدة في مفاوضاتٍ سبقت الإعلان بأيام في نيويورك والقاهرة.
الخطوط العريضة
كشفت وثيقة البيت الأبيض، التي وُزّعت مساء السبت الرابع من تشرين الأول، عن خطة سلام مؤلفة من عشرين بنداً، تهدف إلى “إعادة بناء غزة ونزع سلاحها وإعادة إدارتها عبر حكومة انتقالية فلسطينية مدعومة عربياً ودولياً”.
وقال ترامب خلال المؤتمر الصحفي: “اليوم يوم مهم للسلام. أُشكر رئيس الوزراء نتنياهو على موافقته على الخطة وثقته بأننا، بالعمل معاً، سنضع حدّاً للموت والدمار الذي شهدناه لعقود بل لقرون”.
من أبرز النقاط التي تضمّنتها الخطة:
1-إفراج فوري عن الرهائن الإسرائيليين الأحياء وعددهم عشرون رهينة، إضافة إلى تسليم جثث عدد من القتلى، مقابل إطلاق سراح مئات الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية.
2-إسرائيل ستفرج عن 250 أسيراً محكوماً بالمؤبد، و1700 معتقل من سكان غزة تم توقيفهم بعد السابع من تشرين الأول 2023، وفق ما نشرت صحيفة واشنطن بوست.
3-مقابل كل رهينة إسرائيلي يتم الإفراج عنه، ستُسلّم إسرائيل رفات 15 فلسطينياً.
4-إبعاد حركة حماس عن السلطة السياسية والعسكرية في غزة، مع منح أعضائها السابقين خيارين: الالتزام بالخطة الجديدة والبقاء في غزة، أو المغادرة عبر “ممر آمن” إلى دول أخرى لم يُفصح عنها.
5-تشكيل حكومة انتقالية في غزة، تتولى إدارة الشؤون المدنية والأمنية بإشراف أممي وبدعم من دول عربية.
6-خطة اقتصادية للنمو وإعادة الإعمار بتمويل أميركي ـ خليجي، تُقدَّر ميزانيتها الأولية بـعشرة مليارات دولار على مدى خمس سنوات.
7-ضمانات أمنية تُشرف عليها الولايات المتحدة وقوى إقليمية لمنع أي عودة للقتال.
8-تعهد إسرائيل بعدم احتلال غزة أو ضمّها مستقبلاً، وبوقف العمليات العسكرية فور توقيع الاتفاق.
9-السماح بعودة النازحين إلى غزة وعدم إجبار أي من سكان القطاع الحاليين على مغادرته.
10-إطلاق ممر إنساني دائم لضمان وصول المساعدات الدولية دون عوائق.
هذه البنود، وفق ترامب، تشكّل “خارطة طريقٍ نحو دولة فلسطينية مستقبلية”، وهو تعبير أثار حفيظة اليمين الإسرائيلي الذي يرفض أي صيغة للدولة الفلسطينية.
بين البراغماتية والقلق
في المؤتمر الصحفي الذي عقد في تشرين الأول 2025، أعلن نتنياهو دعمه للخطة قائلاً، إنها “تحقق أهداف إسرائيل الحربية”، مضيفاً: “ستعيد الخطة الأسرى، وتفكك القدرات العسكرية لحماس، وتنهي حكمها السياسي، وتضمن ألا تشكل غزة تهديداً لإسرائيل مجدداً”.
لكن داخل إسرائيل، لم يكن الإجماع كاملاً. فقد أبدى عدد من وزراء اليمين المتطرف في حكومة نتنياهو تحفظات على فكرة “عدم ضم غزة” وعلى البنود التي تمنح “حماس السابقة” فرصة البقاء في الساحة السياسية.
رغم ذلك، رأى مراقبون إسرائيليون أن نتنياهو اختار القبول بالخطة لأنه بحاجة إلى إنجاز سياسي يعيد بعض الثقة لحكومته بعد سنتين من الحرب المكلفة، التي أدت إلى تدهور الاقتصاد الإسرائيلي بنسبة 4.2%، وتسجيل خسائر تجاوزت 90 مليار شيكل، وفق وزارة المالية الإسرائيلية.
في مساء الجمعة الثالث من تشرين الأول، قبل 48 ساعة من انتهاء المهلة التي منحها ترامب لحماس للرد على مقترحه، أصدرت الحركة بياناً أعلنت فيه “موافقتها المبدئية” على الإفراج عن الرهائن الإسرائيليين الأحياء وتسليم جثامين القتلى “بناءً على مقترح الرئيس الأميركي”.
البيان الذي جاء قبل انتهاء المهلة بيومين فُسّر على أنه محاولة من الحركة لـ”رمي الكرة في ملعب واشنطن وتل أبيب”، خصوصاً أن ترامب هدّد سابقاً بأنه إذا لم تُقبل الخطة “فسيندلع الجحيم ضد مقاتلي حماس”.
وقال بيان الحركة: “نقدّر الجهود العربية والإسلامية والدولية وكذا جهود الرئيس ترامب، ونؤكد استعدادنا للانخراط على الفور في مفاوضات عبر الوسطاء لبحث تفاصيل خطة ترامب”، مضيفاً أن “إدارة غزة يمكن أن تُسند إلى هيئة فلسطينية من المستقلين (تكنوقراط) بناء على التوافق الوطني الفلسطيني واستناداً للدعم العربي والإسلامي”.
بهذه الصيغة، حاولت حماس –وفق محللين– الظهور بمظهر القوة التي لا ترفض الحلول السياسية، من دون أن تُعلن قبولها الكامل ببنود الخطة التي تطالب بإبعادها من المشهد السياسي والعسكري.
“حماس مستعدة لسلامٍ دائم”
بعد ساعات من إعلان حماس، كتب ترامب على منصته “تروث سوشيال”: “استناداً إلى البيان الذي أصدرته حركة حماس للتو، أعتقد أنهم مستعدون لسلام دائم. نجري مناقشات حول التفاصيل التي يجب التوصل إليها بشأن خطة غزة. هذا لا يتعلق بغزة وحدها، بل يتعلق بالسلام المنشود منذ زمن طويل في الشرق الأوسط”.
وفي تصريح لاحق من المكتب البيضاوي، دعا ترامب إسرائيل إلى وقف قصف غزة “فوراً”، قائلاً إن الوقت قد حان “لانتقال من الحرب إلى إعادة البناء”.
تصريحه لاقى ترحيباً من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، في حين اعتبرته المعارضة الأميركية محاولة انتخابية لتعزيز صورته كرئيس “صانع للسلام” قبيل انتخابات تشرين الثاني 2026.
في السادس من تشرين الأول، أي بعد يوم واحد من المؤتمر الصحفي في البيت الأبيض، انطلقت في مدينة شرم الشيخ المصرية مفاوضات غير مباشرة بين وفدين من إسرائيل وحماس، برعاية مصرية وقطرية وبمشاركة مراقبين أميركيين.
تركّزت المحادثات على ملفات ثلاثة: تبادل الأسرى، وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات الإنسانية.
وفي اليومين التاليين، السابع والثامن من تشرين الأول، تحدثت مصادر مصرية عن “أجواء إيجابية وتفاؤل حذر”، مشيرة إلى أن العقبة الأساسية كانت تتعلق بـ”استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في بعض مناطق القطاع”، ما دفع القاهرة للضغط على تل أبيب لتقديم “خطوات حسن نية”. الرئيس ترامب أعلن حينها أن “فريقاً أميركياً” غادر إلى مصر للمشاركة في المفاوضات، في مؤشرٍ على جدّية واشنطن في متابعة تنفيذ الخطة.
وقال مصدر مصري مطلع لوسائل إعلام عربية إن “المرحلة الأولى من الاتفاق قد تُنجز خلال أيام، وربما يُعلن عنها ترامب بنفسه”.
الإفراج والانسحاب المشروط
وفي ليل الأربعاء ـ الخميس، أي التاسع من تشرين الأول 2025، أعلن ترامب عبر منصة “تروث سوشيال” أن “إسرائيل وحماس وافقتا على تنفيذ المرحلة الأولى من خطة السلام”، مؤكداً أن “الاتفاق يمهّد للإفراج عن جميع الرهائن قريباً جداً، وانسحاب القوات الإسرائيلية إلى الخط المتفق عليه”.
بعد ساعات، أكدت المتحدثة باسم الحكومة الإسرائيلية توقيع المسودة النهائية في القاهرة صباح الخميس التاسع من تشرين الأول.
وفقاً للبنود المُعلنة:
ستُفرج حماس عن 20 أسيراً إسرائيلياً أحياء دفعة واحدة.
في المقابل، ستُفرج إسرائيل عن أكثر من ألفي أسير فلسطيني، بينهم 250 محكوماً بالمؤبد و1700 معتقل بعد السابع من تشرين الأول 2023.
لن تشمل الصفقة قيادات بارزة في حماس مثل مروان البرغوثي، وفق تصريح رسمي من الحكومة الإسرائيلية.
سيتم تنفيذ عملية الإفراج خلال 72 ساعة من دخول الاتفاق حيّز التنفيذ، على أن يُراقَب التنفيذ من قبل لجنة دولية مشتركة.
بالتوازي، ستبدأ القوات الإسرائيلية بالانسحاب التدريجي من المناطق الشرقية للقطاع، وصولاً إلى الخط الأمني المتفق عليه على طول الحدود.
وأكدت وزارة الخارجية القطرية، التي شاركت في الوساطة إلى جانب مصر والولايات المتحدة، أن الطرفين “توصلا إلى تفاهم يشمل بنود وآليات تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة”.
حماس القديمة والسلطة الجديدة
رغم الزخم السياسي والإعلامي المحيط بالخطة، إلا أن تنفيذها العملي يواجه تحدياتٍ كبيرة، أبرزها مصير حماس في المشهد الجديد. ففي حين تُصر واشنطن وتل أبيب على إقصاء الحركة من السلطة، ترى بعض الدول العربية أن استقرار غزة يتطلب “دمجاً تدريجياً لعناصرها ضمن مؤسسات الحكومة الانتقالية”، وهو ما قد يشكّل نقطة خلاف رئيسية في الأسابيع المقبلة.
كما يواجه مشروع “السلطة الانتقالية الدولية” صعوبات في التشكيل، إذ لم يُحسم بعد ما إذا كانت منظمة التحرير الفلسطينية ستبقى الجهة السياسية العليا، أم سيجري إنشاء هيئة جديدة بإشراف الأمم المتحدة.
وفي حال طُبّقت الخطة كما هي، ستبقى منظمة التحرير “مسيطرة على الوضع العام لعدة سنوات”، كما ورد في الوثيقة الأميركية، “إلى أن تُثبت السلطة الفلسطينية التزامها الكامل بالشروط المطلوبة”.
وأيضا تُعدّ الخطة الاقتصادية التي أُدرجت كبندٍ أساسي من أبرز ما جذب اهتمام الشارع الفلسطيني والعربي، إذ تتضمن التزاماتٍ مالية ضخمة. فبحسب ما ورد في الوثيقة، سيتم إطلاق صندوق دولي لإعادة إعمار غزة برأس مال أولي قدره عشرة مليارات دولار، يُموَّل من الولايات المتحدة (ثلاثة مليارات)، والسعودية والإمارات (خمسة مليارات)، وقطر والاتحاد الأوروبي (ملياران).
وستُخصَّص المرحلة الأولى لترميم البنية التحتية المدمرة، بما في ذلك إعادة تشغيل محطة الكهرباء الرئيسية التي توقفت منذ كانون الأول 2023، وبناء 50 ألف وحدة سكنية جديدة خلال ثلاث سنوات. غير أن الخطة تشترط أن تُدار الأموال عبر مؤسسات دولية وتحت إشراف مباشر من لجنة مشتركة تضم ممثلين عن البنك الدولي والولايات المتحدة والأمم المتحدة، وهو ما اعتبره بعض الاقتصاديين الفلسطينيين “انتقاصاً من السيادة المالية”.
خطة ترامب في ميزان الواقعية
يرى محللون سياسيون أن خطة ترامب، رغم ما تحمله من طموحٍ لإنهاء الحرب، تبقى محفوفة بالعقبات التنفيذية. فالخطة تتعامل مع غزة ككيانٍ يمكن فصله عن السياق الفلسطيني العام، وتُركّز على الترتيبات الأمنية أكثر من معالجة جذور الصراع، مثل الاحتلال والاستيطان والحدود والقدس. لكن؛ في المقابل، تُعدّ أول مبادرة تُطرح بموافقة إسرائيلية رسمية منذ اتفاق أوسلو عام 1993، تتضمن تعهداً بعدم احتلال غزة أو إعادة الإدارة العسكرية إليها، وهو تطورٌ لافت في مقاربة واشنطن وتل أبيب للقطاع بعد سنواتٍ من العنف المتبادل والحصار.
من الناحية السياسية، تمكّن ترامب من توحيد مواقف عدة أطراف كانت متباعدة: واشنطن، تل أبيب، القاهرة، والدوحة. وهو إنجازٌ دبلوماسي نادر في ملفٍ لطالما شكّل “مستنقعاً سياسياً” لكل الإدارات الأميركية السابقة، من بيل كلينتون إلى جو بايدن. كما أن الانخراط العربي في التفاصيل التنفيذية أعطى الخطة زخماً إقليمياً غير مسبوق، خصوصاً مع التفاهم المصري ـ القطري الذي تبلور في الأسابيع الأخيرة بشأن ترتيبات ما بعد الهدنة.
ومع ذلك، فإن قدرة الخطة على الصمود ستُختبر في الميدان: هل ستقبل “حماس” فعلاً بالتخلي عن سلاحها الثقيل مقابل ضماناتٍ مالية وسياسية؟ وهل ستصمد الهدنة أمام أيّ استفزازٍ أو خرقٍ ميداني قد تشعله فصائل صغيرة خارجة عن السيطرة؟ وهل يمكن للوجود الأمني المشترك بين الولايات المتحدة ومصر وإسرائيل أن يضمن استقراراً دائماً دون أن يتحول إلى شكلٍ جديد من الوصاية؟
وبين الطموح والواقع، تبقى خطة ترامب أمام اختبارٍ مزدوج: اختبار الإرادة السياسية للأطراف، واختبار الميدان الذي كثيراً ما أطاح بالاتفاقات قبل أن تجفّ تواقيعها. فنجاح الخطة لن يُقاس بعدد البنود الموقّعة أو المؤتمرات المنعقدة، بل بقدرتها على تحويل الهدنة إلى استقرارٍ دائم، والسلام الورقي إلى واقعٍ ملموس في شوارع غزة المدمّرة. وحتى يتحقق ذلك، ستظل الخطة بين قوسين من الشكّ والانتظار.
No Result
View All Result