No Result
View All Result
حمزة حرب
تمر الذكرى السنوية العاشرة على تأسيس قوات سوريا الديمقراطية منذ عام 2015 القوات، التي برز دورها في حماية شعوب شمال وشرق سوريا واستبسلت في الدفاع عن حياض إقليم شمال وشرق سوريا، والوقوف بوجه أشكال الإرهاب لتصبح اليوم حجز الزاوية لأهم المكونات العسكرية في المشهد السوري وما تساهم به في خلق رؤية وطنية جامعة أثبتت حضورها في الميدان والسياسة على حد سواء.
ومع انطلاق مرحلة إعادة بناء سوريا بعد سقوط النظام السابق وبروز الحكومة الانتقالية بات الحديث عن مستقبل قوات سوريا الديمقراطية ودورها البارز في رسم معالم سوريا الجديدة، والجيش الوطني السوري المزمع تشكيله كقوة وطنية تصون الحرية والتعددية والديمقراطية لحماية جميع مكونات الشعب السوري بغض النظر دينهم أو طائفتهم.
قسد ولادة من رحم المقاومة
تشكيل قوة موحدة تحمي السكان وتعبّر عن تطلعاتهم بالأمن والاستقرار، هذه القاعدة التي غابت عن الأطراف السورية منذ بدء الأزمة السورية عام 2011 وحالة النزاع على السلطة التي ضربت السوريين المنقسمين إلى فريقين “معارضة، وموالاة ” ومع تصاعد تهديد المجموعات المرتزقة والمتطرفة وغياب سلطة القانون في معظم المناطق السورية؛ برزت وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة انتهجت خطاً ثالثاً فلا هي موالاة ولا هي معارضة، إنما هي نواة دفاعٍ ذاتي عن شعب ترك يصارع مصيره منفرداً في وجه اعتى التنظيمات الإرهابية على الساحة السورية حينها.
وبقي الحال على نحو معين لحين أثبتت المقاومة في كوباني عام 2014 نقطة التحوّل التاريخية التي كشفت للعالم قدرة المقاتلين والمقاتلات في مواجهة آلة الإرهاب الداعشي، حيث شكلت كوباني ملحمة في الصمود والتصدي وكسرت أسطورة داعش الزائفة من خلال مقاومة لفتت انتباه العالم بأسره لتصبح تلك المقاومة رمزاً عالمياً في محاربة الإرهاب والتطرف.
وفي تشرين الأول من عام 2015، أعلنت مجموعة من تشكيلات عسكرية محلية إلى جانب وحدات حماية الشعب والمرأة، قوام هذه التشكيلات العسكرية التي تضم مكونات عربية وسريانية وتركمانية، تأسيس قوات سوريا الديمقراطية كإطار عسكري جامع هدفه الدفاع عن الأرض والشعب، ومحاربة الإرهاب.
فمنذ اللحظة الأولى ارتكزت “قسد” على مبدأ الدفاع الذاتي المشترك، بعيدًا عن العصبية القومية أو الدينية، لتكون بمثابة قوة الشعب في مواجهة العنف والدمار ولتتحول سريعًا إلى نموذج فريد في إدارة الصراع وحماية المجتمعات من الانهيار من خلال التمسك بالخطاب الوطني الجامع العابر للطائفية والقومية والدين، وتم التأكيد في البيان التأسيسي على أن هذه القوات ستكون نواة الجيش السوري المستقبلي الذي سيقوم على معايير المواطنة المتساوية. وهو ما شكل تجربة فريدة خصوصاً مع أخذ المرأة لدورها الريادي في صفوف هذه القوات، فقد شكّلت وحدات حماية المرأة YPJ العمود الفقري في كثير من الحملات والعمليات العسكرية، وكان حضور المقاتلات في الجبهات الأمامية رسالة سياسية واجتماعية عميقة كسرت القيود التقليدية ورسّخت مفهوم المرأة القائدة والمقاتلة والمحرّرة.
فتجربة المرأة داخل “قسد” لم تكن عسكرية فحسب، بل حملت أبعادًا فكرية وتنظيمية إذ ساهمت في بناء إدارات مدنية تشاركية ومجالس نسائية مستقلة، وعززت ثقافة المساواة داخل المجتمع المحلي ولعل صور المقاتلات اللواتي وقفن في وجه داعش أصبحت رمزًا عالميًا للنضال النسوي ضد التطرف والظلم ودفعت كثيرًا من النساء حول العالم إلى التضامن مع هذه التجربة الفريدة.
فكان هذا المشهد يرسم للعالم برمته إن هذه القوات شكلت ولادة حقيقية من رحم المقاومة لتقود الانتصارات تلو الانتصارات بروح العزيمة والإصرار للحفاظ على الشعب ومقدراته وحقوقه في العيش بأمن وأمان، وهو ما واصلت قسد تقديمه على مدار السنوات الطوال وهي تحقق النتائج تلو النتائج وتقدم التضحيات تلو التضحيات في سبيل هدفها المنشود.
قسد والالتفاف العالمي
برز نجم “قسد” بشكل لافت مع تصاعد خطر مرتزقة داعش الإرهابي، الذي سيطر على مساحات واسعة من سوريا والعراق وأقام ما سمّاه “الخلافة” ففي تلك المرحلة الحرجة خاضت قوات سوريا الديمقراطية أشرس المعارك ضد داعش في شمال وشرق سوريا.
هذه المعارك والنتائج التي تحققت دفعت بالمجتمع الدولي وعلى رأسه التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب لأن يلتف حول قسد ويبني معها شراكة حقيقية للقضاء على الإرهاب الداعشي، الذي أرق العالم برمته حيث تمكنت قسد من تحرير منبج والرقة وصولاً إلى الباغوز، وهي آخر معاقل مرتزقة داعش في سوريا، معلنةً بذلك نهاية مرحلة الإرهاب الجغرافي وبدء مرحلة الحرب الأمنية والاستخباراتية.
منذ بدايات الحرب ضد داعش، شكّل التعاون بين “قسد” والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة عاملًا حاسمًا في تحقيق الانتصارات، فبينما قدّمت واشنطن الدعم الجوي والاستخباراتي، كانت قسد تتولى المعارك الميدانية الأكثر خطورة على الأرض هذا التحالف الذي وُلد من الضرورة الأمنية وتطوّر مع مرور السنوات إلى شراكة عسكرية استراتيجية ساهمت في استقرار مناطق شمال وشرق سوريا.
لكن “قسد” لم تعتمد على الدعم الخارجي وحده، بل أسّست منظومتها الأمنية والإدارية الخاصة، ونجحت في إدارة الملفات المدنية والإنسانية في المناطق المحررة في ظل غياب تام لمؤسسات النظام السابق وضعف الدعم الدولي للنازحين والمهجرين نتيجة انتهاكات دولة الاحتلال التركي ومرتزقته.
خلال تلك المعارك قدّمت قسد الشهداء من مختلف الشعوب وكان التلاحم بين الكرد والعرب والسريان والتركمان أساس قوتها، لتثبت للعالم أجمع بأنها قوة وطنية جامعة حملت راية محاربة الإرهاب نيابة عن العالم بأسره، ودافعت عن السوريين بغض النظر عن انتمائهم وتوجههم وهو ما عاهدت عليه شعبها وسارت به في مسيرتها.
وبعد مرور عقد كامل على تأسيسها يمكن القول: إن قسد لم تكن مجرد تشكيل عسكري، بل حركة تحوّل اجتماعي وسياسي في عمق المجتمع السوري فقد تمكنت من بناء منظومة أمنية مستقرة في مناطق تمتد من دير الزور إلى الحسكة والرقة كوباني وحافظت على أسس وقيم التعايش المشترك بين الشعوب المختلفة رغم محاولات إشعال الفتن القومية والطائفية.
كما ساهمت في إعادة فتح المدارس والمشافي وإطلاق مشاريع خدمية بالاستناد الى الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، والتي تحكمهما علاقة وثيقة تقوم على التكامل بين الجناحين العسكري والمدني، ما جعل المنطقة واحدة من أكثر المناطق استقرارًا مقارنة ببقية الجغرافيا السورية التي ما تزال تعاني الفوضى والانقسام حتى بعد سقوط النظام السابق سيما وأن المناطق السورية ما تزال تحكمها الحالة الفصائلية المقيتة.
إلا إن قسد التي حققت التفافاً دولياً كبيراً على مدار السنوات المنصرمة وحققت انتصارات لا زال المجتمع الدولي مدين لها، لكنها واجهت في محطاتٍ عديدة تحدياتٍ وجودية كان عنوانها اعتداءات الاحتلال التركي الداعم الأبرز للفصائل المرتزقة والإرهابية، وكان ذلك من خلال شن اعتداءات طال في معظمها البنى التحتية والمدنيين وهو ما شكل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الذي تحقق.
قسد.. حجر الزاوية في رسم معالم سوريا الجديدة
بعد عشر سنوات من التضحيات، تقف قوات سوريا الديمقراطية اليوم أمام منعطف تاريخي جديد بعد أن سقط نظام الأسد المستبد، واعتلت الحكومة الانتقالية سدة الحكم في البلاد، فقسد تسعى إلى ترسيخ مكاسبها الميدانية في إطار سياسي معترف به، وتحويل تجربة الحرب إلى مشروع سلام دائم يضمن حقوق الشعوب السورية.
قسد التي خطت مسيرتها بالتضحيات الجسام، ورسخت أسس العيش المشترك باتت رقمًا صعبًا في المعادلة السورية والإقليمية، إذ لا يمكن لأي طرف أن يتجاهل دورها في مكافحة الإرهاب وحماية المدنيين وخلقت توازناً كبيراً بين الدفاع الذاتي والانفتاح السياسي، بين محاربة التهديدات الخارجية وبناء نموذج داخلي ديمقراطي ومستقر.
فبعد هذه السنوات الطوال من الحرب والتمزق السياسي والعسكري الذي شهده المشهد السوري تبرز اليوم ملامح تفاهمات جديدة بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة الانتقالية، التي تشكّلت بعد سقوط النظام؛ فهذه التفاهمات تمثل مرحلة مختلفة في العلاقة بين الطرفين، إذ تسعى إلى إعادة تعريف دور قسد داخل الإطار السوري الجامع الذي تسعى له منذ بداية تشكيلها.
وبينما تنظر قسد إلى هذه التفاهمات كخطوة ضرورية لإعادة توحيد القوى المسلحة ضمن مؤسسة عسكرية واحدة، ترى الحكومة الانتقالية فيها فرصة لتثبيت أركانها من خلال الاستجابة لمطالب المجتمع الدولي في الدخول ضمن منظومة المجتمع الدولي لمحاربة الإرهاب، وترسيخ نموذج وطني جامع يقوم على احتضان السوريين دون تمييز.
ومن هذا المنطلق ترى الأوساط السياسية أن أي عملية الاندماج داخل الجيش الوطني السوري الجديد المزمع تشكيله يجب أن تراعي خصوصية قسد التنظيمية والهيكلية، وألَا تُعامل فصيلاً تقليدياً ضمن الجيش، بل قوة تمتلك تجربة عملياتية مميزة وخبرة ميدانية واسعة تساهم في بناء جيش متوازن يضم الشعوب السورية دون تهميش أو إلغاء.
وهذا يستوجب عملية حقيقية في مسار بناء الثقة المتبادلة عبر خطوات تدريجية تشمل التنسيق الأمني في مناطق التماس وتهدئة كل الجبهات والحفاظ على وقف إطلاق النار من ثم تشكيل لجان مشتركة لتوحيد المعايير والانضباط العسكري يتلوها إطلاق برامج تأهيل وتدريب موحدة بإشراف ضباط مهنيين من الطرفين.
هذه الخطوات إن نُفّذت بجدية يمكن أن تخلق نواة حقيقية لجيش وطني جديد لا يقوم على الإقصاء، بل على المشاركة والاحترام المتبادل يراعي أسس ومعايير الاندماج التدريجي في المؤسسة العسكرية الوطنية بعد الاعتراف الرسمي بقسد كجزء من المنظومة الدفاعية الوطنية تحت مظلة وزارة الدفاع الانتقالية.
سيما وأن قوات سوريا الديمقراطية اليوم تعتبر أكثر تشكيل عسكري يعكس تنوع المجتمع السوري ففي صفوفها آلاف المقاتلين من العرب والكرد والسريان والتركمان، ما يجعلها نموذجًا عمليًا لتجسيد مفهوم الجيش الوطني المتعدد الشعوب والذي يمتلك خبرة عالية في محاربة الإرهاب والقضاء عليه وهو ما يُعتبر عنصر قوة في عملية بناء سوريا الجديدة فجيش سوريا المستقبل كي يكون وطنيًا بحق لا بد أن يعبّر عن السوريين لا عن فئة واحدة أو حزب بعينه. فقسد ترى أن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على شراكة سياسية وعسكرية متوازنة مع الحكومة الانتقالية، لا على التبعية أو الإقصاء، فالتفاهمات الجارية لا ينبغي أن تُختزل في إطار عسكري بحت، بل يجب أن تكون مدخلًا لتسوية وطنية شاملة تعيد بناء الثقة بين شعوب سوريا المختلفة وهذه المعايير تندرج في سياق اتفاق العاشر من أذار الذي تصر قسد على ضرورة تطبيقه وتعبيد الطريق أمام مشروعٍ وطني جامع.
بناءً عليه فإن أي نقاش حول مستقبل قسد لا يمكن فصله عن الواقع الإقليمي المعقد، وخاصة تهديدات واعتداءات الاحتلال التركي المستمرة علماً أن دمج قسد ضمن الجيش السوري الجديد قد يشكّل ضمانة سياسية وعسكرية ضد التدخلات الخارجية، لأنه سيمنح هذا الجيش شرعيةً وطنية ودولية، ويجعله قوة معترف بها في مكافحة الإرهاب وتحقيق الشرط الدولي للتعامل مع الحكومة الانتقالية والجيش المزمع تشكيله بناءً على القدرات والإنجازات التي حققتها قسد.
وبينما يحيي المقاتلون والمقاتلات ذكرى تأسيس قواتهم والإنجازات التي تحققت بفضل دماء رفاق دربهم التي سالت على طريق الحرية والنصر وفق المعايير التي تعاهدوا عليها منذ التأسيس وبهذا فقط يمكن أن تتحول تجربة “قسد” من تجربة مقاومة ضد الإرهاب إلى ركيزة في بناء سوريا الديمقراطية، دولة تحمي الإنسان وتصون التعدد وتكتب فصلًا جديدًا من السلام بعد سنوات الحرب.
No Result
View All Result