No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف ـ بين خيامٍ تتهالك تحت الريح، وتحت شمسٍ حارقة، تنهض امرأة تحمل بين يديها خبزاً، فتغمس أصابعها في العجين، كأنها تكتب حكايتها على رغيفٍ من صبرٍ وطحين، إنها يازي الصويلح، المهجرة التي توقظ المخيم على رائحة الخبز الطازجة.
بيدين أنهكهما التعب، تعجن العجين بخفة كأنها تحفظ طقوس الحياة بين أصابعها، تجلس “يازي عبيد الصويلح” أمام صاجها داخل خيمة صغيرة في أحد المخيمات، تنثر الدقيق على الطاولة وتبدأ بخبز رغيفٍ جديد من الأمل، وبعض العجين يبقى عالقاً على يديها، كأنه يصرّ على أن يكون جزءاً من حكايتها التي تخبزها كل صباح منذ عام.
من عاملة لمالكة
تخرج يازي من خيمتها قبل بزوغ الشمس، حاملةً على رأسها قطع العجين نحو خيمةٍ أخرى خصصتها لتكون فرنها الصغير، وهناك أسطوانة غاز وصاج معدني قريب منها، يشكلان معاً مصدر رزقها الوحيد، تبدأ العمل مع أذان الفجر، وبينما ينهض المخيم على أصوات الديكة وصلاة الصبح، تكون رائحة الخبز قد ملأت المكان.
يازي من مواليد عام 1971 من بلدة المناجير بريف سري كانيه، وقد حدثتنا عن الفرن: “فتحت الفرن منذ سنة تقريباً، كنت أعمل فيه باليومية عند صاحبٍ آخر، لكن بعد فترة قرر صاحب الفرن السابق أن يكون هذا الفرن ملكا لي، حتى أستطيع مساعدة ابني وأصرف على عائلته”.
تعمل يازي منذ السادسة صباحاً وحتى ما بعد الظهر، تخبز أكثر من ستين رغيفاً يومياً وحدها، ورغم تعب السنين وقسوة الحياة في المخيم، فإنها ما زالت تبتسم وهي تتحدث عن عملها بفخرٍ واعتزاز، وكأنها وجدت في الخبز ما يعيد إليها شيئًا من كرامةٍ سُلبت مع التهجير.
تقول وهي تمسح العرق عن جبينها: “في كثير من الأحيان لا يتوفر الغاز والطحين بسهولة، وأنا أشتري كيس الطحين بـ 170 ألف ليرة سورية، وبـ 100 ألف غاز من أجل الفرن، ويكفي الطحين لأسبوعين تقريباً”.
صعوبات ومعوقات
سعر الرغيف عند يازي ألف ليرة، ويبقى لها القليل من الربح لتغطية بتكاليف عائلتها المؤلفة من ثلاثة أولاد وأحفادها. ورغم بساطة الدخل، إلا أن يازي ترى في فرنها الصغير باباً للنجاة من العوز، ومساحةً تحفظ فيها كرامتها وكرامة عائلتها، لا تنظر إلى تعبها كعبء، بل كدليل على أنها ما زالت قادرة على العطاء، رغم التهجير والفقر وحرّ الصيف وبرد الشتاء الذي يلسع أطرافها كل صباح.
خيمة يازي لم تعد مجرد مكانٍ لخبز العجين، بل تحولت إلى مساحةٍ يلتقي فيها الجيران، يتبادلون الحديث والضحكات على رائحة الخبز الطازج، وكثير من النساء يأتين لمساعدتها أو لشراء الخبز منها، وبعضهنّ يقلّدن تجربتها ليبدأن مشاريع صغيرة تحفظ لهنّ حياةً كريمة داخل المخيم.
ورغم أن الصعوبات لا تفارق يومها، من انقطاع الغاز وغلاء الطحين وصعوبة الحياة في المخيم، إلا أن يازي لم تستسلم، وقد رأت الإقبال الكبير على ما تصنع: “إن ما أخبزه يأخذه أهل المخيم بسعر قليل جداً، والكثير منهم يفضلون خبز الصاج فهو يذكرهم بأيام الريف، الذي يحمل في ثناياه نكهته الخاصة”.
الخيمة من الداخل مليئة بالدخان، قد صبغ السواد أطرافها، وعلقت على ذلك: “في الريف كنا نخبز في الخارج، ولكن هنا لا أستطيع ذلك فلا يوجد مكان لذلك، لأن في أيام المطر لا أستطيع الخبز لذلك الخيمة أفضل لاستمرار العمل، ولكنني بدأت أعاني من الأمراض بسبب الدخان”.
وتختتم يازي الصويلح حديثها: “قبل سنة كنت أعمل بيومية لا تزيد عن عشرة آلاف ليرة، واليوم أنا قادرة على تأمين مصروف عائلتي اليومي، وقد تغلبت على الكثير من المشاكل بسبب مصدر رزقي هذا، ولذة العمل تمحو التعب”.
No Result
View All Result