No Result
View All Result
د. طه علي أحمد
بعد سقوط النظام السوري السابق في كانون الأول 2024، تولى أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقًا)، رئاسة الحكومة الانتقالية في سوريا، ورغم الآمال التي ارتفعت بين السوريين بشأن إجراء تغييرات في أداء السلطة الجديدة، إلا أن تعامل الحكومة مع معالجة ملف “الاندماج الوطني” ظل دون المستوى المتوقع، ما أثار تساؤلات حول جدية القيادة الجديدة في تحقيق الوحدة الوطنية.
هنا يبرز مفهوم وفلسفة الاندماج الوطني الديمقراطي ليعبّر عن العملية التي يتم من خلالها دمج جميع شعوب المجتمع في نظام سياسي تشاركي بما يضمن حقوقهم المدنية والسياسية والاجتماعية، بعيدًا عن التمييز الطائفي أو العرقي أو الإقليمي، ويُعد هذا الاندماج أمرًا حيويًا لضمان استقرار المجتمعات بعد الثورات والحروب، حيث يسهم في تقليل النزاعات الداخلية، وإعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة، وتعزيز المشاركة الفاعلة في العملية السياسية، كما يشكل إطارًا لتحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، بما يمهد الطريق لإنشاء مؤسسات قوية وشفافة تحمي حقوق الجميع وتحقق التنمية المستدامة، لكن واقع الحال في سوريا ما بعد البعث لا يُبشر بأي آفاق أو إمكانية لتحقيق ذلك.
غياب خطاب وطني شامل
منذ توليه السلطة، لم يصدر أحمد الشرع خطابًا رسميًا شاملًا يوضح رؤية واضحة للمرحلة الانتقالية، ما ترك فراغًا كبيرًا في التواصل مع الشعب السوري، حيث يُعد الخطاب الوطني بمثابة أداة أساسية لتوحيد الرؤية وتوضيح أهداف الحكومة الانتقالية، إذ يعزز الثقة بين المواطن والدولة ويتيح فهمًا مشتركًا للخطوات الإصلاحية المستقبلية، ويعكس غياب هذا الخطاب عدم وجود خطة استراتيجية متكاملة للتعامل مع التحديات الوطنية، بما في ذلك تعزيز الهوية الوطنية المشتركة، وتحقيق المصالحة بين مختلف الشعوب بطوائفهم وأديانهم المختلفة.
وقد انعكس هذا الغياب بشكلٍ واضح على الموقف العام للقوى السياسية والاجتماعية من الانتخابات البرلمانية الأخيرة، حيث أظهرت سير العملية انخفاضًا في تمثيل المكونات الاجتماعية المختلفة، وفي مقدمتهم النساء، مما يثير مخاوف بشأن شمولية العملية الانتخابية وشفافيتها. كما أن تأجيل التصويت في عدة مناطق، وترك مقاعد شاغرة، يعكس بالضرورة ضعفاً ملحوظاً في التمثيل العادل لبعض الفئات، بما يكشف إحساسًا سائداً بين الجماعات “المهمشة” من جانب سلطة دمشق، بعدم الاعتراف بحقوقها السياسية والاجتماعية، الامر الذي يؤكد في المحصلة النهائية على أن وجود خطاب وطني شامل ومرن يُراعي التنوع الاجتماعي والسياسي أمر حيوي لنجاح المرحلة الانتقالية وتحقيق الاندماج الوطني الديمقراطي واستقرار المجتمع بعد سنوات النزاع.
التحديات الأمنية والتوترات الطائفية
رغم وعود الحكومة الحالية بإعادة الأمن والاستقرار، إلا أن التوترات الطائفية والعرقية لا يبدو لها نهاية في الأفق؛ ففي الشمال يطالب أبناء المنطقة بدستور يضمن حقوقهم، والحال نفسه بالنسبة للطائفة الدرزية في الجنوب، وهو ما يعكس الانقسامات العميقة في البنية الاجتماعية والسياسية للبلاد. وقد برزت هذه التحديات بشكلٍ صارخ من خلال الانفجارات الأمنية التي شهدتها منطقة الساحل في آذار الماضي، والسويداء في تموز، وأخيرًا ما جرى في حي الشيخ مقصود والأشرفية في الأيام الأخيرة، حيث كانت القوات الحكومية أو بعض القوى العسكرية الموالية والداعمة لها طرفًا وخصمًا في هذه الأحداث، مما يدل على غياب استراتيجية شاملة ومدروسة للتعامل مع التنوع الطائفي والعرقي وضمان أمن جميع المواطنين.
ورغم تشكل هيئة وطنية للعدالة الانتقالية بزعم كشف وتوثيق انتهاكات النظام السابق ومحاسبة المسؤولين عنها، وتعويض الضحايا، إلا أن هذه الإجراءات لم تظهر جدية ملموسة في التعامل مع الأحداث الأخيرة، مما يعني أن العدالة الانتقالية تبدو مجرد “فريضة غائبة”، الأمر الذي يعكس محدودية الجهود “المزعومة” لتحقيق العدالة والمصالحة الوطنية، ويُبرز الحاجة إلى وضع خطة شاملة تربط بين الأمن والعدالة والمصالحة لضمان عدم تكرار الانقسامات والصراعات الطائفية، وإرساء قاعدة للاندماج الوطني الديمقراطي وتحقيق استقرار مستدام للمجتمع السوري.
الغاية إذاً، أنه رغم التغيير السياسي الذي شهدته سوريا، إلا أن السلطة في دمشق لم تُظهر الجدية الكافية في معالجة ملف الاندماج الوطني، حيث يغيب الخطاب الوطني، ويتضاءل مستوى المشاركة السياسية مع استمرار التوترات الطائفية وعدم جدية الإجراءات الحكومية فيما يتصل بتحقيق العدالة الانتقالية، بما يقدم مؤشرات بارزة على أن الطريق نحو الوحدة الوطنية لا يزال طويلاً، بما يفرض على سلطة دمشق الانتقالية اتخاذ خطوات ملموسة وجادة لتحقيق المصالحة الوطنية وبناء دولة مدنية ديمقراطية تحتضن جميع مكونات الشعب السوري.
No Result
View All Result