No Result
View All Result
محمد عيسى
دخلت سوريا مرحلة انتقالية مفصلية بعد انهيار النظام السوري السابق في الثامن من كانون الأول 2024 وتسلم أحمد الشرع رئاسة الحكومة الانتقالية؛ مرحلةٌ لا تعيد بناء المؤسسات فقط، بل تعيد رسم خرائط النفوذ الإقليمي. وسط هذا المشهد، برز تحولٌ واضح: الأموال والسياسات الخليجية تتقدّم لتملأ فراغًا استراتيجيًا، فيما تتراجع مكانة تركيا التي امتهنت التدخل على امتداد عقد كامل. اللقاء الذي انعقد في أيار 2025 بين الشرع والرئيس الأميركي وولي العهد السعودي مثّل نقطةً فاصلة؛ لحظة وضعت الأسس السياسية والاقتصادية لمرحلة جديدة من الانفتاح الخليجي على دمشق، ووضعت أنقرة أمام سؤالٍ واحد: كيف تستعيد ما خسرت؟ أم هل عليها القبول بدورٍ ثانوي محدود؟
لحظة التحوّل
ما حدث في أيار 2025 ليس حادثة بروتوكولية؛ بل هو توقيع لصفحة جديدة. الاجتماع الثلاثي في الرياض لم يكن لقاءً إعلاميًا فحسب، بل إطلاق معادلة عملية: بداية رفع تدريجي للعقوبات، فاتحةً الباب أمام ضخ استثمارات خليجية واسعة، وبالتوازي رعاية سعودية لمفاوضات حساسة تقودها الرياض كوسيط محوري. هذا التاريخ يرمز لتحوّلٍ في هندسة الملف السوري: من ساحة تنافس متعدد الأقطاب إلى مساحة تديرها العواصم الخليجية بدعم أميركي ـ إسرائيلي.
النتيجة العملية: تموضع الموارد المالية والشرعية الإقليمية لصالح الخليج. وأنقرة، التي راهنت لعقد كامل على استراتيجياتها في سوريا، وجدت نفسها فجأة أمام معادلةٍ لا تُحسَم فيها موازين النفوذ بالسلاح وحده، بل بالمال والدبلوماسية والشرعية الإقليمية.
قبل التحوّل، اعتمدت أنقرة على تراكم أدوات نفوذ ميداني: قواعد للتأثير الأمني، شبكات تجارية، موانئ ونقاط عبور، وجود عسكري محدود مغطى بمبررات أمنٍ قومي وإدارة أزمة لاجئين. هذه الأدوات كانت فعّالة في سياقٍ امتد لعقد كامل لكن لم تُرفَق برؤى اقتصادية طويلة الأمد قادرة على منافسة رأس المال الخليجي.
الآن، ومع دخول رؤوس الأموال الخليجية بشكل مباشر إلى الملف السوري لإعادة الإعمار وإدارة الملفات الاقتصادية لسوريا، تغيّر منطق التأثير: من سيطرة عسكرية وقواعد مؤقتة إلى عقود بنية تحتية، اتفاقات استثمارية، وتمويل لإعادة جدولة ديون. هذه الأدوات الاقتصادية الجديدة تمنح دول الخليج قدرةً على تحديد أولويات إعادة الإعمار، صياغة شروط العودة الإقليمية لدمشق، وإحداث اعتمادٍ سياسياً ـ اقتصادياً أطول أمدًا.
تراجع أنقرة في المحرّك السياسي
المشهد الأمني لا يختلف كثيرًا عن الاقتصادي: ملفات كانت تشكل ورقة ضغط لأنقرة، مثل ملف الكرد في شمال شرق سوريا، باتت اليوم ميدانا لترتيبات دولية ـ خليجية تسعى لموازنة النفوذ العسكري والاقتصادي على الأرض. ما كانت أنقرة تعالجه بأدوات قمعية واحتلالية تحت غطاء أمني صار يُدار اليوم عبر جداول تفاهمات وإعادة إدماج بدعم خليجي وأميركي.
بسبب ذلك، تقلصت قدرة تركيا على بلورة سياسات إقليمية أحادية التأثير، وحُدِّد دورها بمهامٍ حدودية وأمنية ضيقة: مراقبة الحدود، إدارة ملف اللاجئين، والتحكم الجزئي في نقاط توتر محددة. وهي أدوار تُبقيها فاعلة جزئياً، لكنها لم تعد تسمح لأنقرة بصياغة معالم النظام السوري المستقبلي أو فرض شروطها كما كانت تفعل سابقًا.
لا يمكن كتابة تقريرٍ يتهم سياسات دون التوقف عند نتائج تلك السياسات على الأرض. التدخل التركي، كما صوّرته المصادر بداية من احتلال عفرين في كانون الثاني 2018 حتى احتلال مدينة سري كانيه وكري سبي/ تل أبيض في تشرين الأول عام 2019 والوقائع التي عايشها السوريون، قدّم نموذجًا من السياسات التي اعتمدت على القوة العسكرية والتدخل المباشر لتحقيق أهداف جيوسياسية قصيرة المدى، غالبًا على حساب الأمن المدني والبنى التحتية.
تحت هذا العنوان، يجب أن نقول بصراحة: ما قدّمته أنقرة لسوريا في عقود التدخل لم يكن إعادة بناءً، بل سياسة حرب ودمار. التدخلات المسلحة، دعم المجموعات المرتزقة، إنشاء مناطق نفوذ مؤقتة، واستغلال الهجرة والتهجير كسلاحٍ سياسي، كل ذلك حمّل سوريا مزيدًا من الانقسام والتمزق الاجتماعي. هذه الاستراتيجية تركت آثارًا إنسانية عميقة: تدمير مدن، تغيير ديمغرافي، نزوح مكثف، تفكك اقتصادي، وجرح طويل في النسيج المجتمعي.
هذا الوصف ليس شعارات؛ بل توصيفٌ لنتائج كارثية ترجمتها الممارسة السياسية والعسكرية: سياسات أنقرة تجاهلت الحاجة لإعادة دمج السوريين وإعادة بناء مؤسسات مدنية مستقرة، وبدلاً من ذلك اختارت أدوات الردع والتسييس العسكري.
الاستثمار والوساطة السياسية
مع انحسار النفوذ التركي وتراجع حضور أنقرة كفاعلٍ مهيمن في الملف السوري، فتحت الساحة أمام صعود خليجي متدرج يجمع بين المال والسياسة. فقد دخلت دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، إلى المشهد السوري من بوابة الاستثمار والوساطة، لتتحول تدريجيًا من داعمٍ إقليمي إلى صانع قرارٍ فعلي. فالمشاريع الاقتصادية الضخمة، وتمويل إعادة الإعمار، وجدولة الديون، وفتح قنوات الدعم الدبلوماسي لعودة دمشق إلى الجامعة العربية، كلها ليست مبادراتٍ إنسانية فحسب، بل أدوات نفوذ جديدة تُدار بذكاء وهدوء. هذا التحول يُعيد طرح سؤالٍ جوهري: لمن ستدور عجلة الإعمار فعلاً، ومن سيحدد سقف العلاقات السياسية والاقتصادية لسوريا الجديدة؟
الجواب بات واضحًا في الأشهر الأخيرة: مركز الثقل انتقل نحو العواصم الخليجية والعربية. فبينما كان النفوذ التركي يعتمد على القوة العسكرية والتدخل الميداني، يبني الخليج نفوذه على قاعدة الاقتصاد والسيولة المالية. الإمارات تتحرك بثبات عبر استثمارات استراتيجية في الموانئ وخطوط النقل والتجارة، فيما تمسك السعودية بمفاتيح السياسة العليا، من الوساطة في الملفات الحساسة إلى إعادة رسم خريطة العلاقات بين دمشق والعواصم العربية والغربية. بهذا المعنى، تحوّل المال الخليجي إلى أداة هيمنة أكثر فاعلية من أي وجودٍ عسكري، لأنه يخلق تبعيات اقتصادية ويجعل القرار السوري مرهونًا بشبكة مصالحٍ مالية وسياسية تمتد من الرياض وأبوظبي إلى واشنطن.
في المقابل، تبدو تركيا في موقع الدفاع لا المبادرة. فأنقرة اليوم أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما القبول بدورٍ ثانوي محدود يتصل بإدارة الحدود ومراقبة اللاجئين، أو محاولة استعادة بعض وزنها المفقود عبر تحالفاتٍ جديدة مع قوى إقليمية أخرى. غير أن الواقع العملي لا يمنحها الكثير من المرونة، فالتفوّق المالي والسياسي الخليجي، إلى جانب الغطاء الأميركي ـ الإسرائيلي الممنوح لهذا التوجه، يجعل فرص تركيا في منافسة هذا النفوذ شبه معدومة. لم تعد أدواتها القديمة ـ المجموعات المرتزقة، النفوذ الديني، والمناورات الأمنية ـ مجدية في بيئةٍ تحكمها الأرقام والعقود الاستثمارية وصفقات الطاقة.
لذلك، يبدو أن أنقرة مضطرة إلى انتهاج مقاربةٍ براغماتية، عنوانها التراجع التكتيكي لا المبادرة الاستراتيجية. قد تحاول التفاوض على صيغ تعاونٍ اقتصادية ضيقة، أو بناء شراكاتٍ محدودة مع بعض الأطراف الخليجية لتأمين موطئ قدمٍ رمزي داخل سوريا، لكنها تدرك أن اليد العليا لم تعد في أنقرة، بل في الرياض. هذا التراجع لا يُفقدها فقط جزءًا من نفوذها السوري، بل يضعف مكانتها داخل حلف شمال الأطلسي، حيث كانت الورقة السورية إحدى أدواتها للتفاوض مع الغرب.
إن تراجع الدور التركي لا يعني مجرد خسارة نفوذٍ ثنائي في سوريا، بل يعكس تحوّلاً أوسع في هندسة التحالفات الإقليمية. فسوريا، بما تمثله من عقدة وصل في ملفات الطاقة وخطوط المواصلات والتوازنات العسكرية، باتت ساحة مفتوحة لإعادة توزيع الأدوار بين واشنطن والخليج وإسرائيل. ووسط هذه الخريطة الجديدة، لم تعد تركيا أكثر من لاعبٍ هامشي يراقب المشهد من الأطراف، بعدما فشل مشروعها في التمدد عبر القوة، وتجاوزتها موجة النفوذ الاقتصادي الخليجي. وهكذا، تتحول أنقرة من طرفٍ مبادرٍ كان يسعى لفرض نموذجٍ سياسي خاص به، إلى متفرجٍ يبحث عن فرصةٍ صغيرة ليبقى في اللعبة.
ما يعنيه هذا للشعب السوري
الرهان السياسي على النفوذ الخارجي لا يصنع السلام الحقيقي، ولا يعيد بناء المدن التي التهمتها الحرب، ما لم يصحبه برنامج إشرافي شفاف يضع مصلحة السوريين فوق كل اعتبار. فالدخول القوي للمال الخليجي في الملف السوري يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة الإعمار، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة الأولويات: من سيحدد مسار البناء؟ هل ستكون الأولويات اقتصادية بحتة تهدف إلى تحقيق عوائد واستثمارات خارجية، أم ستكون إنسانية ووطنية تنطلق من حاجات الشعب السوري المعيشية والاجتماعية؟ فإعادة الإعمار، إذا اقتصرت على حسابات الربح، قد تُهمّش البعد الإنساني والعدالة الاجتماعية، وتحوّل المدن المدمّرة إلى مشاريع ربحية أكثر من كونها فضاءات للحياة.
من جهة أخرى، فإن انخراط دول الخليج في دعم دمشق سياسيًا واقتصاديًا، إذا ترافق مع ضغوط مدروسة لإعادة سوريا إلى عمقها العربي، قد يشكّل نقطة فاصلة في إنهاء الوصاية التركية والهيمنة العسكرية التي خنقت القرار السوري لعقدٍ كامل. فهذه العودة العربية ـ إن تمت بضوابط عادلة وبرامج مساءلة شفافة لانتهاكات الحرب ـ يمكن أن تفتح نافذة فعلية لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، قائمة على التعددية والانفتاح والمسؤولية الوطنية، لا على التحالفات العسكرية والارتهان للخارج. ولعلّ أيار 2025 كان العلامة الأوضح على بدء هذه التحولات، حين التقت الرياض وواشنطن ودمشق على طاولة واحدة، في لحظةٍ منحت الضوء الأخضر لإعادة ترتيب النفوذ السياسي والاقتصادي في سوريا لصالح العواصم الخليجية.
في المقابل، بدت أنقرة كمن خسر أوراقه كلها بعد عقدٍ كامل من الانخراط الميداني والرهان على أدوات القوة التقليدية، التي تبخّرت أمام صعود رأس المال الخليجي وعودة الشرعية الإقليمية.
لم يعد بإمكان تركيا فرض شروطها، بعدما تحولت ملفات كبرى كاللاجئين والأمن الحدودي إلى قضايا تُدار ضمن ترتيبات دولية أوسع تشارك فيها دول الخليج، وتُترك لأنقرة فيها أدوار ثانوية محدودة.
ومن هنا تأتي الحاجة لتوصيات عملية واقعية: على تركيا أن تعيد صياغة سياستها الخارجية ضمن أطر تفاهم اقتصادية ودبلوماسية مع الرياض وأبوظبي، بعيداً عن المغامرات العسكرية؛ وعلى السعودية ودول الخليج أن تضمن أن استثماراتها لا تتحول إلى أدوات نفوذ، بل إلى برامج شفافة لإعادة بناء مؤسسات مدنية حقيقية؛ وعلى دمشق أن تستفيد من الدعم الخليجي للحفاظ على سيادتها وفتح قنوات للمساءلة والمصالحة؛ وعلى المجتمع الدولي أن يراقب نزاهة عقود الإعمار، كي لا تتحول سوريا مجدداً إلى ساحة لتقاسم النفوذ. فاليوم تقف البلاد على مفترق طرق، إما أن تُكتب صفحتها الجديدة بمداد المصالح الخارجية، أو تُرسم بإرادة السوريين أنفسهم، حين تتحول الأموال إلى طاقة بناء تعيد للبلد كرامته واستقراره وتضع نهاية لسنوات الحرب والوصاية.
No Result
View All Result