No Result
View All Result
الكساندرا محمد
يُروى والله أعلم، أنَّ صرصارًا عظيم الطموح، ضاق صدرُهُ بالحياة في العتمة، فقرَّرَ أن يؤسّسَ لنفسِهِ مملكةً في أحدِ ثقوبِ الجدار.
حملَ عائلتَهُ، واستقدمَ أصهارَهُ، ونصَبَ عرشهُ فوق ذرّةِ غبارٍ، ثم نفخَ صدرَهُ وقالَ:
“هنا يبدأ المجد، وهنا تُرفعُ الرايات!”
ومنذ تلكَ الساعة، صارَ لا يرى نفسَهُ إلّا مالكًا للبيتِ كلِّه، وصارَ يُحدّثُ أصدقاءَهُ عن فتوحاتِهِ العظيمة، وكيفَ أخضعَ الإنسانَ ذاكَ الكائنَ الضخمَ البليدَ لسطوتِهِ وحكمِهِ.
ولشدّةِ ما كرّرَ أكاذيبَهُ، صدّقها، بل غدا يظنُّ أنَّ الجدرانَ تُحيّيه إذا مرَّ، وأنَّ ظلَّهُ ينحني له احترامًا!
ومضى كلَّ ليلةٍ بعد نومِ أصحابِ المنزلِ، يتبخترُ في المطبخِ كفاتحٍ عظيمٍ يتفقّدُ الغنائمَ، يعبثُ بالسكّرِ، ويرقصُ فوقَ فتاتِ الخبزِ، كأنَّهُ يحتفلُ بانتصارٍ خالدٍ. غيرَ أنَّ الملوكَ الحقيقيينَ كما العُبّادُ في الظلام لا يَدومُ لهم الحظِّ طويلًا؛ فقد رآهُ صاحبُ المنزلِ يومًا، وتتبّعَ أثرَهُ حتى بلغَ ثقبَهُ المنيفَ، فما كانَ منهُ إلّا أن هدمَ المملكةَ على رأسِ ساكنيها، فتهاوى العرشُ، وتبعثرتِ الأسرةُ، وتبخّرَ المديحُ الذي كانَ بالأمسِ صاخبًا.
ولم يبقَ من المجدِ المزعومِ إلّا شظايا من جناحٍ مهترئ، وكرسيٌّ مكسورٌ في هواء.
وهكذا شأنُ كثيرٍ من الناسِ إذا تسلَّموا السُّلطةَ؛ تَصغُرُ الأرضُ في عيونِهِم، ويكبُرونَ في أعينِ أنفسِهِم، حتى يظنُّ أحدُهم أنَّ الكونَ خُلِقَ ليصفّقَ له!
ويُقال بعد كلِّ ذلك: إنَّ الصرصارَ ما زالَ يصرخُ من تحتِ الركامِ قائلًا:
“سأعودُ… غيرَ أنَّ الشعبَ لم يُدرِك بعدُ حُقوقَ مَلِكِهِ!”.
No Result
View All Result