زاوية الدين والحياة ـ علي زاخراني
أيها الإخوة والأخوات في الإنسانية، يقف العالم اليوم على مفترق طرق، تتصارع فيه نزعات التفرقة والانعزال، مع حاجة ملحة للتعايش والوئام، وفي خضم هذا الضجيج، يأتي نداء الإسلام، دين الفطرة والسلام، ليؤكد على قيمة عظيمة من قيمه الخالدة: قيمة العيش المشترك.
ما العيش المشترك؟ أليس هو مجرد تقبل الآخر؟ كلا، إنه أبعد من ذلك وأعمق، إنه الاعتراف بأن الاختلاف سنة إلهية، قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}، فالاختلاف في الأديان والألوان والألسنة ليس عيباً يجب إزالته، بل هو جزء من حكمة الخالق، يثري الحياة ويُظهر عظمته.
العيش المشترك، هو أن نرى في هذا الاختلاف لوحة فسيفسائية رائعة، كل لون يحتفظ بهويته، ولكنها معاً تشكل صورة جميلة متكاملة، هو أن نتحاور لا لننتصر، بل لنتفاهم، هو أن نتعاون على البر والتقوى، على بناء المجتمع، ونشر الخير، ومقاومة الشر، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}.
وانظروا إلى سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كيف أسس لدولة العيش المشترك في “صحيفة المدينة”، التي نظمت العلاقة بين المسلمين وبين قبائل اليهود وغيرهم، على أساس المواطنة والعدل والمساواة في الحقوق والواجبات. وكان يقول: “ألا من ظلم معاهداً، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة”. أترون هذه الروح؟ هذه هي روح الإسلام السمحة.
أيها الأحبة، العيش المشترك لا يعني التنازل عن عقيدتك أو التخلي عن مبادئك، كلا، إنه يعني أن تثبت على حقك، مع احترام حق غيرك في الوجود والاعتقاد، هو الجمع بين القوة في المبدأ والسماحة في التعامل، هو أن نكون كالشجرة الراسخة، أصلها ثابت في الأرض، ولكن أغصانها تظلل الجميع. إن تحديات عصرنا من فقر، ومرض، وتخلف، وتلوث، لا تعرف ديناً ولا لوناً، هذه التحديات تتطلب أن تتحد أيدي البشرية جميعاً لمواجهتها، لا وقت لدينا للصراعات الهشة والكراهية الموروثة.
فليكن شعارنا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}، التعارف، ثم التفاهم، ثم التعاون، ثم التعايش، هذا هو السلم الطبيعي لبناء مجتمع إنساني راق.
أيها الأحبة: إن العيش المشترك ليس مجرد علاقة اجتماعية تُنظمها القوانين، بل هو مقام روحي يترقى فيه المؤمن، فيرى الخلق بعين الرحمة لا بعين الخصومة، فالمؤمن الصادق إذا نظر إلى الناس، رآهم جميعاً صنائع الله، وأحبهم من أجل خالقهم، إذ كيف لا تحب من أحبه الله وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه؟
إن العيش المشترك يبدأ من القلب، حين يتطهر من الغل والحقد، فيسكن فيه نور المحبة، يقول أهل الله: “إذا امتلأ قلب العبد بمحبة الله، جرت محبته لكل خلق الله”، وهنا تتحول العلاقات بين البشر إلى جسور نور، لا إلى جدران عداوة.
أيها الأحبة، التصوف علّمنا أن الإنسان مرآة أخيه، فإذا رأيت فيه عيباً، فذاك انعكاس لنقصك، وإن رأيت فيه جمالاً، فذاك نور من الله أودعه فيه، فإذا تعاملنا بهذا الوعي، أدركنا أن العيش المشترك ليس تنازلاً عن الذات، بل ارتقاء بالذات لتسع الآخرين.
ولنا في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أسمى مثال، حين قال: “اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون”، لم يرَ فيهم أعداءً، بل رآهم عباداً محتاجين إلى النور، فغمرهم بدعائه، هذا هو البعد الروحي للعيش المشترك، أن نُعامل الناس برحمة، وننظر إليهم بنور، ونمدّ لهم اليد لا السيف.
فلنجعل قلوبنا كالكعبة، يدخلها كل من قصدها، وليكن شعارنا مع الناس جميعاً: “لك دينك ولي ديني، ولك كرامتك ولي كرامتي، ولك حقك وعندي واجبي”.
وبهذا يتحقق المعنى القرآني العميق: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}، أي لتتعارف الأرواح قبل الأجساد، ولتلتقي القلوب قبل الألسنة.
أسأل الله العظيم أن يؤلف بين قلوبنا وأن يهدينا سبل الرشاد.