No Result
View All Result
حمزة حرب
منذ تولي أحمد الشرع رئاسة الحكومة الانتقالية، تعيش سوريا مرحلة مفصلية اتسمت بالتناقضات، ما بين وعود بالتغيير الجذري وواقع معقد مثقل بتركة عقود من الاستبداد والحرب، فالحكومة الانتقالية حاولت أن تقدم نفسها منقذاً ومشروعاً سياسياً يختلف عن النظام السابق، لكنها سرعان ما وقعت في دوامة التجاذبات الداخلية والضغوط الخارجية.
فمنذ أن استلمت الحكومة الانتقالية زمام السلطة؛ رُوّج لها بأنها ستكون بداية مرحلة جديدة من الانفتاح والديمقراطية، غير أنّ ما تكشّف لاحقاً هو ذهنية سياسية إقصائية أعادت إنتاج ممارسات الاستبداد السابقة، ولم تسمح بنيتها الفكرية في أي تغيير حقيقي بل قامت على عقلية إقصائية ترى في الآخر خطراً يجب تحييده وهو ما أدخل البلاد في موجة جديدة من الانتهاكات طالت مختلف الشعوب السورية، من الساحل إلى السويداء وصولاً إلى الشمال والشرق.
حكومة بلا شرعية
واجهت حكومة الشرع منذ أيامها الأولى أزمة ثقة عميقة بعد أن تأمل السوريين خيراً في سقوط نظام حكم الاستبداد والإقصاء وعولوا كثيراً على أن يكون هذا السقوط مفتاح خير لمستقبلهم، فالمجتمع السوري المرهق منذ سنوات الحرب والانقسامات، لم يجد في الحكومة الجديدة تعبيراً حقيقياً عن تطلعاته.
إلا أن الحكومة الانتقالية عمدت إلى اتباع نهج الإقصاء منذ لحظاتها الأولى، فكثير من القوى المعارضة والمجتمعية رأت أن تشكيل الحكومة جاء بترتيبات خارجية أكثر منه استجابة لإرادة السوريين، وهذا الطرح انعكس في ضعف القبول الشعبي وفي تردد القوى المحلية عن التعاون مع مؤسسات هذه الحكومة. علاوة على ذلك حاولت الحكومة الانتقالية إيهام المجتمع السوري بوعودٍ زائفة سيما وإنها مدركة بأن الشعب السوري مثقل بالأزمات الاقتصادية والمعيشية فسارعت لإطلاق وعودٍ بتحسين الاقتصاد، ودوران عجلته بما يحسن من الحياة اليومية للسوريين، وهذا ما لم يلتمسه السوريين، وبقيت الأزمات الأساسية من الخبز إلى الوقود مع اتساع رقعة البطالة والهجرة ملفات عالقة دون حلٍ حقيقي.
اليوم وبعد مرور فترة ليست بالقصيرة ثبت أن الشرع وتشكيلته الحكومية فشلا في استيعاب شرائح واسعة من الشعب السوري، فهم اليوم ليس لهم أي قبول في الساحل السوري بعد الانتهاكات الكبيرة، التي ارتكبت بحق الطائفة العلوية وفي الجنوب وأحداث السويداء لم يبقَ لهم أي حضور، كما فشلا وماطلوا في تطبيق اتفاق العاشر من آذار، أو في تقديم صيغة عادلة لتوزيع السلطة، ما أبقى البلاد في حالة انقسام سياسي وجغرافي.
فالحكومة اليوم تقف أمام سلسلة تحديات حاول أحمد الشرع أن يرسم صورة لحكومته كمرحلة عبور نحو الديمقراطية، لكن المجتمع السوري يرى أن هذه الوعود لم تتجاوز نطاق التصريحات، مستندين إلى الملفات آنفة الذكر، والتي فشل فيها الشرع وحكومته، فلا إصلاح دستوري حقيقي جرى، ولا خطوات جدية نحو العدالة الانتقالية اتخذت.
سيما وأن سياسة الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع انطلقت متخمة بالتناقض بين الطموحات والقدرات، فمن جهة أرادت أن تقدم نفسها بديلاً وطنياً جامعاً، ومن جهة أخرى لم تستطع تجاوز الإرث الثقيل الذي بُنيت عليه كذراعٍ لتنظيم القاعدة في سوريا، والتي خلقت داخل بنيتها تياراتٍ متشددة لا تزال تقوم على إقصاء الآخر المختلف، وعدم قبول تغيير النهج والفكر الذي أُسِّست عليه، وهو ما وضع المرحلة موضع العالق في مأزق بين الداخل الذي يتطلع لتغييراتٍ حقيقية يصعب على تشكيلة الشرع إجراؤها وبين إرضاء الخارج، الذي يضع سلوكها تحت المجهر وهذا ما يفسر التناقض الكبير بين الشعارات والواقع.
حكومة تحت المجهر
وكما تبين، أن حكومة الشرع تبنت منذ بداية إمساكها السلطة خطاباً يركز على السيادة واستعادة الدور السوري، لكنها عملياً بدت عاجزة عن رسم سياسة متوازنة بين القوى الدولية والإقليمية وحتى السيادة بدت منتهكة ومتهالكة ففي الجنوب إسرائيل، وفي الشمال والداخل دولة الاحتلال التركي، وهما أبرز قوتين تنافستا على ملء الفراغ الذي خلفه النظام السابق بعد انكفاء روسيا وانسحاب إيران من المشهد.
بينما غضت حكومة الشرع الطرف عن هذه الضغوط وحاولت إقناع الغرب بأنها تمثل قطيعة مع النظام السابق، إلا أن ضعف التقدم في ملفات حقوق الإنسان والمساءلة جعل العلاقة متوترة ومشروطة؛ لأن الغرب يريد أن يلتمس تغييراتٍ جوهرية وآليات مختلفة ولديه تخوف من امتدادات سابقة للحكومة الحالية مع تنظيم القاعدة فتغيير السلوك شرط أساسي لتحقيق الدعم والاعتراف.
وبينما وعد الشرع وحكومته الغرب وأمريكا بالحد من النفوذ الروسي والإيراني؛ ظلت موسكو وطهران تتحكمان في ملفات أساسية مثل الطاقة والأمن، وعاد الشرع وأثبت للعالم أنه عاجز عن تحقيق الشروط الغربية في ملفاتٍ عدة أبرزها العلاقة مع روسيا وإيران إلى جانب التبعية المطلقة لتركيا، وإشراك عناصر أجنبية في مراكز صنع القرار السوري.
يأتي هذا فيما تحاول دولة الاحتلال التركي استثمار علاقاتها مع حكومة الشرع، والضغط بأذرعها التي تدعمها في سوريا بعلاقة معقدة تحاول من خلالها الهيمنة على القرار السوري، وهو ما نجحت فيه إلى حدٍ كبير حيث استمرت في سياسات التدخل المباشر ما أحرج الحكومة وأظهرها عاجزة عن مواجهة التوسع التركي وبينها كرهينة أمام إرادة أنقرة ومشاريعها. حيث احتفظت دولة الاحتلال التركي بعدد كبير من القواعد العسكرية في الشمال السوري، وأحكمت نفوذها على مدن وبلدات عدة، غير أن الحكومة الانتقالية لم تتخذ موقفاً يرقى لمستوى الحدث بعد أن كان يُنتظر أن تعيد هذه السلطة الاحتلالية لسوريا شيئاً من هيبتها المفقودة وسيادتها المنتهكة. لكن؛ ما ظهر لاحقاً هو عكس ذلك تماماً مع إبدائها تساهلاً مريباً إزاء الاحتلال التركي المستمر لأراضٍ سورية.
البيانات الرسمية اقتصرت على عبارات عمومية عن “السيادة” دون تسمية الاحتلال التركي بشكل مباشر، سيما وأن تمدد الاحتلال التركي أدى إلى نزوح وتهجير جماعي، وتغيير ديمغرافي، واستغلال الموارد المحلية، في ظل عجز حكومي عن تقديم أي حماية للسكان هذا ما وضع الحكومة موضع المتخاذل بعد أن غضت النظر عن الاحتلال مقابل مكاسب سياسية أو دعم لجهات مرتبطة بها.
سياسة الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع تكشف عن مزيج من الصمت إزاء الاحتلال التركي والانغماس في علاقات خارجية شكلية، من دون أي جهد حقيقي لإطلاق مسار وطني جامع وبينما يزداد السوريون بؤساً وانقساماً، تبقى الحكومة مجرد شاهد صامت على تمزيق البلاد بدل أن تكون أداة لإنقاذها.
هذا وحاولت دمشق الخروج من هذه الضغوطات من خلال تحقيق بعض الانفتاح العربي، وعلى رأسه الموقف السعودي إلا إن هذا الموقف ظل حذراً، حيث تتخوف الرياض إلى جانب دول عديدة من عدم قدرة الشرع على الإمساك بزمام الأمور في ظل هشاشة الوضع الداخلي. لذا؛ بات المرتكز الرئيسي في هذا الدعم هو قطر.
فالمجتمع الدولي لم يمنح الحكومة الانتقالية اعترافاً مطلقاً، بل ربط أي دعم اقتصادي أو سياسي بتحقيق شروط متعلقة بحقوق الإنسان وإخراج العناصر الأجنبية، والشروع بمسار دستوري شامل هذا جعل الحكومة مكبّلة بين مطرقة الحاجة للدعم وسندان فقدان استقلالية القرار، ووضعها تحت المجهر الدولي في كل تحركاتها التي فضحت زيف ادعائها ما تم ارتكابه في الساحل والسويداء.
زياراتٌ جوفاء بانتظار نتائج
ورغم الجولات المكوكية التي أجرتها الحكومة الانتقالية لم تحقق ما تصبو إليه سيما، وإنه كان يُفترض أن تعيد للسوريين سيادتهم، إلا أنها وجدت نفسها مسلوبة القرار محاصرة بين النفوذ التركي والروسي والإيراني، وبين شروط الغرب وحذر العرب، حيث وصل السوريون إلى نتيجة مفادها أن سوريا ما بعد النظام لم تتحرر فعلياً، بل دخلت مرحلة جديدة من الارتهان الخارجي ليس إلا.
فكل ما مرت به الحكومة وضعها تحت المجهر الغربي والإقليمي والعالمي، فكل ما يأمل به السوريون، هو رهن تغيير سلوكها والانفتاح على السوريين بسياسة بناء الثقة من خلال إشراكهم في رسم سياسات بلدهم ووضع الأطر، التي يسعون لها من خلال التخلي عن المركزية والإقصاء والتهميش وهذا ما يفرض على الحكومة الانتقالية، أن تتعامل معه بقدرٍ من الجدية في سياساتها. حيث كثّف الشرع وحكومته اللقاءات والزيارات إلى عواصم إقليمية ودولية، لكن تلك النشاطات بقيت استعراضية اقتصرت على توقيع تفاهمات اقتصادية وسياسية لم تُترجم إلى أفعال ليجمع مراقبون: إن الأفعال الحقيقية تحتاج إلى تنفيذ التزامات سياسية عملية أو خارطة طريق، التي تبدو حكومة الشرع عاجزة عنها حالياً.
ومع مرور الوقت تتضح الذهنية المتطرفة للحكومة الانتقالية في إصرارها على مركزية الحكم ورفضها أي صيغة من صيغ اللامركزية أو تقاسم السلطة، هذا التوجه لم يختلف عن النظام السابق، بل زاد من شعور السوريين بأن الاستبداد يُعاد تدويره بوجوه جديدة.
فسياسة الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع اتسمت بذهنية متطرفة لا تختلف كثيراً عن ذهنية النظام السابق، بل ربما أكثر قسوة بحكم محاولتها فرض هيمنتها على بلد ممزق فمن الساحل إلى السويداء، ومن الشمال إلى الشرق، تكررت الانتهاكات بحق الشعوب السورية، ما جعل الأمل بالتغيير يتلاشى أمام واقع استبداد يتجدد تحت اسم انتقالية.
فبدلا من إشراك القوى السياسية المتنوعة، اعتمدت الحكومة خطاب التخوين بحق المعارضين لسياساتها، ولم تعترف الحكومة بحقوق الأقليات أو خصوصياتها الثقافية والسياسية، بل سعت إلى فرض مركزية مشددة تشبه النظام السابق، بل اعتمدت بعض الأجهزة الأمنية والعسكرية على جماعات ذات فكر متطرف لإحكام السيطرة، ما رسّخ الطابع المتطرف لنهجها.
ففي خضم هذا التشتت السياسي والانقسام المجتمعي والانسداد الاقتصادي، الذي يعيشه السوريون منذ سنوات، برز اتفاق العاشر من آذار منعطفاً مهماً؛ عدُّه الكثيرون طوق نجاة لإيجاد مخرج واقعي من الأزمات المتراكمة، فالاتفاق الذي جاء بعد جولات طويلة من المفاوضات بين قوى سياسية وإدارية محلية، فتح الباب أمام مقاربة جديدة قوامها اللامركزية والتشاركية والاعتراف بالتعددية السورية، وهو ما عدُّه مراقبون خطوة أولى نحو بناء عقد اجتماعي جديد.
ومثلما فشلت الحكومة الانتقالية في محاولات بناء رؤية جامعة تعالج الخلافات والانقسامات بين المعارضة التقليدية، فشلت في تطبيق هذا الاتفاق، بل ولعبت دور المعرقل رغم إصرار الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، على ضرورة تطبيقه بل وتعميمه ليشمل الجنوب والساحل. لكن؛ الحكومة جعلت من الملفات عالقة، فمن الإعلان الدستوري إلى الخطاب الشعبوي والتعبوي إلى توزيع الموارد؛ ما وسع إطار ساحة التوتر، ولم تتحقق نتائج فعلية على الأرض.
لتبقى هذه الحكومة قابعة بين محبسين متمثلين بإرادة السوريين التي لا مناص من تحقيقها في التغيير القائم على الحرية والمساواة والعدالة والديمقراطية، وبين الارتهان للخارج الذي يبحث عن مصالحه ومخططاته بعيداً عن آمال السوريين وتطلعاتهم، وهنا على الشرع وحكومته أن يحدد معالم التغيير الحقيقي من خلال الالتفات إلى الداخل، وتحقيق تطلعاته ليحصل على ما يريد من الخارج فسياسة وضع الحصان أمام العربة لم تنجح بها الحكومة الانتقالية في دمشق على ما يبدو.
No Result
View All Result