No Result
View All Result
أكرم بركات (صحفي)
في مشهدٍ يعكس تعقيدات المرحلة الانتقالية في سوريا، خرجت مظاهرات في العاصمة دمشق تحت شعار “دعم الشعب الفلسطيني في غزة”، لكنها سرعان ما تحولت إلى منبر للهجوم على حكومات عربية، أبرزها مصر والسعودية، هذه المظاهرات، التي نُظّمت بإذن رسمي من الحكومة السورية الانتقالية، طرحت تساؤلات جوهرية حول طبيعة الخطاب السياسي في سوريا، وحدود التعبير، ومدى انسجامه مع التوجهات الرسمية التي تدّعي الانفتاح والبراغماتية.
تشير مصادر سياسية إلى أن هذه المظاهرات خرجت بإيعازٍ تركي مباشر، في سياق تصعيد متعمد من أنقرة تجاه القاهرة والرياض، على خلفية خلافات إقليمية متشابكة، فالدور التركي في توجيه القرار داخل دمشق لم يعد خافياً، إذ تُعرف السلطة الانتقالية بخضوعها الكامل للإملاءات التركية، وتنفيذها بمنتهى الدقة والانضباط، هذا التدخل لا يقتصر على الشعارات، بل يمتد إلى هندسة المشهد السياسي الداخلي، وتوظيف أدوات التعبئة الشعبية كوسيلة ضغط إقليمي.
المظاهرات التي خرجت تحت غطاء دعم غزة وتحولت إلى هجوم مباشر على مصر والسعودية، لا يمكن فصلها عن استراتيجية تركيّة تهدف إلى خلط الأوراق، وإعادة تموضع النفوذ في المنطقة عبر وكلاء محليين متشددين. وهو ما يكشف عن هشاشة القرار السوري، وانعدام استقلاليته، وتحول دمشق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
في الوقت الذي يهتف فيه “المتظاهرون” ضد إسرائيل ويطالبون بالنفير العام، تخوض الحكومة الانتقالية في سوريا مفاوضات معلنة وغير معلنة مع تل أبيب، تتعلق بترتيبات أمنية في الجنوب السوري، وربما ملفات استراتيجية أخرى، هذا التناقض بين الشعارات والمواقف الواقعية يُضعف من مصداقية الخطاب الرسمي، ويكشف عن خللٍ في إدارة الدولة، ويثير شكوكاً حول مدى استقلالية القرار السياسي في دمشق.
القاهرة والرياض
يتسم الموقف المصري بالحذر، خاصةً في ظل خلفية رئيس الحكومة السوريّة الانتقالية أحمد الشرع المرتبطة بمجموعات متشددة. القاهرة لم تبادر بأي خطوات تطبيع، وفرضت قيوداً أمنية صارمة على دخول السوريين، بعد ظهور مطلوبين مصريين في محيط القيادة الجديدة. كما قُدمت دعوى قضائية ضد الشرع أمام محكمة القضاء الإداري في الإسكندرية في 31 أيار 2025، تتهمه بارتكاب جرائم إبادة جماعية بحق العلويين والدروز، استناداً إلى شهادات ميدانية وتوثيقات حقوقية تُشير إلى تورط عناصر تابعة له في مقتل نحو 50 ألف سوري، خاصةً في مناطق الساحل السوري.
ربما لهذا السبب، سمحت الحكومة السوريّة بخروج مظاهرات تهاجم مصر تحت غطاء دعم غزة، في محاولة لتوجيه الغضب الشعبي نحو الخارج، وتخفيف الضغط الداخلي والدولي المتزايد.
في المقابل، تُبدي المملكة العربية السعودية انفتاحاً محسوباً تجاه الحكومة السوريّة الجديدة، إذ استقبلت أحمد الشرع رسمياً وأجرت معه محادثات مباشرة. الشرع قدّم تطمينات بشأن أمن الخليج، وأكد إخراج المجموعات الإيرانية من سوريا، في خطوةٍ تتماشى مع أولويات الرياض، هذه التصريحات فتحت الباب أمام حوار سياسي يُفترض أن يُبنى على الثقة المتبادلة والالتزام بالوعود. لكن؛ المظاهرة الأخيرة في دمشق بتاريخ 2 تشرين الأول، التي خرجت تحت غطاء دعم غزة، حملت شعارات عدائية تجاه السعودية، في مشهدٍ لا يمكن فصله عن السياق السياسي الداخلي، فالسماح الرسمي بهذه المظاهرة، رغم معرفة مضمونها، يكشف عن استخدام الحكومة السورية لهذه الفعاليات كأداة ضغط سياسي، لتوجيه رسائل مزدوجة إلى الخارج، تظهر فيها بمظهر المتعاون رسمياً، بينما تسمح بخطاب متطرف يهدد الاستقرار الإقليمي.
مفترق طرق حاد
يتضح أن الحكومة السوريّة الحالية لم تستطِع، وربما لا تستطيع، الإيفاء بالوعود التي قطعتها للسعودية، سواء على مستوى تفكيك البنية المسلحة غير المنضبطة، أو على مستوى ضبط الخطاب السياسي الداخلي بما يتماشى مع تطلعات الانفتاح العربي، ولا حتى الخروج من تحت العباءة التركية.
هذا التناقض يفتح الباب أمام جملة من المخاطر: أولاً؛ ما حدث في دمشق قد يدفع الرياض إلى إعادة تقييم انفتاحها تجاه دمشق، خاصةً إذا تكررت مظاهر التصعيد أو ثبت تورط جهات رسمية في تغذية الخطاب العدائي.
ثانيًا، إن عجز الحكومة السورية عن الوفاء بتعهداتها، سواء في ضبط الخطاب السياسي الداخلي أو تفكيك البنى المسلحة غير المنضبطة، من شأنه أن يُعيق مسار إعادة دمج سوريا في محيطها العربي، ويعيدها إلى مربع العزلة الإقليمية.
أما ثالثًا، وهو الأخطر، فإن السماح بخطاب عدائي تجاه دول عربية داخل مظاهرات مرخصة لا يُعد مجرد تجاوز سياسي، بل يمثل إعادة إنتاج ممنهجة لبيئة التطرف التي غذّت الصراعات السابقة، ويهدد بتحول سوريا إلى ساحة صراع أيديولوجي جديد، تتداخل فيه الحسابات الإقليمية مع الانقسامات الداخلية، ما يضع مستقبل البلاد على مفترق طرق حاد بين الانفتاح أو الانفجار.
إن تصعيد الخطاب العدائي في دمشق تجاه مصر والسعودية لا يُعد مجرد تجاوز دبلوماسي، بل يمثل تهديداً مباشراً للاستقرار العربي، فمصر والسعودية ليستا دولتين هامشيتين في المشهد الإقليمي، بل هما ركيزتان أساسيتان في أي مشروع عربي لإعادة تأهيل سوريا سياسياً واقتصادياً. استعداء القاهرة والرياض، سواء عبر مظاهرات مرخصة أو رسائل شعبوية متطرفة، يضع الحكومة السورية الانتقالية أمام عزلة متجددة، ويقوّض فرصها في استعادة موقعها الطبيعي داخل المنظومة الدولية والإقليمية والعربية.
أسوأ ما في هذا التصعيد أنه يأتي في لحظة كانت فيها أبواب الانفتاح تُفتح تدريجياً أمام دمشق، بشروطٍ واضحة تتعلق بالأمن، وضبط الخطاب، وتفكيك البنى المتطرفة. تجاهل هذه الشروط، أو اللعب على تناقضاتها، لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الفوضى، بل وتحويل سوريا من فرصة للتهدئة إلى مصدرٍ جديد للاشتعال الإقليمي.
إذا أرادت دمشق فعلاً أن تستعيد ثقة العرب والدول الإقليمية، فعليها أن تختار بين الخطاب المتطرف وخطاب الدولة، وبين الشعارات العابرة والمواقف المسؤولة، وبين العزلة الطوعية والانخراط البنّاء في مستقبل المنطقة.
No Result
View All Result