No Result
View All Result
جل آغا/ أمل محمد ـ في الذكرى الثالثة لاستشهاد الناشطة والباحثة ناكيهان أكارسال، بينت الناطقة باسم أكاديمية الجنولوجيا في إقليم شمال وشرق سوريا “زهريبان حسين”، أن اغتيالها لم يكن مجرد استهداف لشخصها، بل لمشروع الحرية والكرامة الذي حملته المرأة في كردستان، ونوهت أن المرأة الحرة، بحضورها وتأثيرها، تمثل تحدياً للسلطة والدولة، وهذا ما يجعل كل امرأة تركت بصمة في مجتمعها هدفاً للمضطهدين.
في الرابع من تشرين الأول عام 2022، دوّى خبر اغتيال الناشطة والباحثة ناكيهان أكارسال في مدينة السليمانية، فلم يستهدف جسداً فحسب، بل استهدفت فكراً ورؤية وميراثاً نسوياً راسخاً في تاريخ الشعب الكردي. أمام منزلها في حي بختيار، استشهدت بعد أن كرّست حياتها للعلم والمعرفة والنضال من أجل حرية المرأة، فتحولت سيرتها منذ ذلك الحين رمز مقاومة يتجدد حضوره كل عام.
اغتيال العلم والإرادة
ترى الناطقة باسم أكاديمية الجنولوجيا في إقليم شمال وشرق سوريا “زهريبان حسين”، أن جريمة اغتيال ناكيهان كانت “محاولة للنيل من علم المرأة وضرب جذور ثورة الحرية”: “النساء الرياديات شكّلن حالة خوف للمحتل التركي، ولهذا يسعى إلى استهدافهن بدم بارد، واغتيال ناكيهان لم يكن استهدافاً فردياً، بل جريمة سياسية تحمل دلالات واضحة على خوف الفاشية التركية من المرأة الحرة، ودورها الريادي في المجتمع”.
لم تكن ناكيهان مجرد باحثة أو صحفية، بل قائدة ميدانية ومفكرة أسست مشروعاً فكرياً عميقاً هو الجنولوجيا – علم المرأة، الذي سعى إلى إعادة كتابة التاريخ برؤية نسوية تقطع مع الذهنية الذكورية السائدة، وهو ما جعلها هدفاً مباشراً لمحاولات الإقصاء والتصفية.
ولدت ناكيهان عام 1976 في بلدة خليكان التابعة لمنطقة جيهان بيلي في قونية، ونشأت في كنف أسرة متواضعة، بعيداً عن والدها، لتتولى والدتها إليف تربية الأبناء بصرامة وقيادة، واستمدت منها ناكيهان قوة شخصيتها وصلابتها.
أكملت تعليمها الابتدائي والمتوسط والثانوي في مسقط رأسها، ثم التحقت بجامعة غازي في أنقرة، حيث درست الصحافة والإعلام والإذاعة، لتفتح لنفسها باباً إلى عالم المعرفة والعمل الأكاديمي والإعلامي، وإلى جانب دراستها، كانت شخصية ناكيهان تميل إلى الصمت الممزوج بالإرادة القوية، وهو ما جعلها لاحقاً امرأة تترك أثراً عميقاً في كل مكان تصل إليه.
من المعتقلات إلى ميادين النضال
في سنوات الجامعة، انخرطت ناكيهان في اتحاد شبيبة كردستان، لتصبح قريبة من هموم الطلبة والشباب، وكانت تنظم الندوات والمحاضرات، وتحول مساكن الطلاب إلى مراكز للتعليم والوعي، بهدف ضخ طاقات الشبيبة في مسار النضال الوطني.
تروي “زهريبان حسين” أن ناكيهان “كانت تنتقل من منزل إلى آخر في قريتها، وتحاول رفع وعي النساء الشابات والمتزوجات والمسنات على حد سواء، وبفضل شخصيتها المتواضعة وصلابتها، استطاعت أن تزرع الثقة لدى النساء وأن تحولهن من مجرد كائنات مهمشة إلى شخصيات قيادية قادرة على التغيير”.
لم يكن طريق ناكيهان مفروشاً بالورود، فقد تعرضت للاعتقال لسنوات في سجون الدولة التركية، حيث عانت ظروفاً قاسية لكنها خرجت أكثر قوة وإصراراً، وعُرفت بتواجدها في أصعب ساحات الكفاح، من روج آفا إلى عفرين وشنكال، حيث أسهمت في تنظيم النساء وتأسيس مكتبات ومراكز بحث تُعنى بتاريخ المرأة الكردية ونضالاتها. كما لعبت دوراً أساسياً في مكتبة أعمال المرأة الكردية ومركز الأبحاث في السليمانية، إلى جانب كونها رئيسة تحرير مجلة “جنولوجي”، ما جعلها في قلب مشروع إعادة صياغة الهوية النسوية في المنطقة.
ثورة المرأة الحرة… ميراث خالد
ناكيهان ترى أن الدولة والسلطة تخشى من المرأة الحرة، لأن تحررها يعني تراجعاً للسلطة الذكورية. لهذا جعلت مسارها النضالي مشروعاً لتحرير النساء من قيود العبودية والذكورية في كل مكان. تقول “زهريبان حسين”: “وجود المرأة الحرة هو إنكار للسلطة والدولة، لذلك يتم استهداف كل امرأة حرة تركت بصمة في مجتمعها. ناكيهان هي واحدة من هؤلاء النساء اللواتي هزمن الصمت وصنعن التغيير”.
لم تقتصر بصمتها على كردستان وحدها، بل ألهمت نساءً في مختلف أنحاء العالم. فقد تحولت إلى قدوة ومثال حي، واستشهادها كان بمثابة ميلاد جديد لحركة نسوية أكثر صلابة.
تشدد زهريبان على أن استهداف ناكيهان هو استهداف للشعب الكردي بأسره: “إنها ليست جريمة بحق شخص واحد، بل استهداف للكرامة والحرية. نناشد شعبنا الكردي بانتماءاته، في الداخل والخارج، أن يتخذ موقفاً موحداً ضد هذه الجرائم، وعلى المجتمع الدولي محاسبة الجناة ووضع حد لعدوان الدولة التركية على الشعب الكردي ونساء كردستان بشكل خاص”.
برحيلها، لم يخبت صوت ناكيهان، بل تحوّل إلى شعلة يتوارثها الأجيال، وأثرت في الشبيبة والنساء على حد سواء، وخلّفت ميراثاً من الفكر والإرادة جعلها باقية في ذاكرة النضال، وكما تقول رفيقاتها في ختام حديثها: “رحلت ناكيهان بجسدها، لكن أثرها لن يزول، فقد ولدت النساء من جديد على دربها”.
No Result
View All Result