روديا عبدو
في كل زاوية من هذا العالم، هناك وجوه أنهكها التعب، عيون مثقلة بالدموع، وقلوب تحاول أن تخفي شروخها بابتسامة صغيرة، نحن أبناء هذا الزمن المليء بالحروب والانكسارات، حيث الأخبار تحمل إلينا كل صباح حصيلة جديدة من الدم، أو غصة جديدة من الفقدان، ومع ذلك، فإن الإنسان، في أعمق لحظاته، يظل يبحث عن بصيص ضوء، عن نافذة يطلّ منها على غدٍ أكثر صفاءً.
الانكسار ليس نهاية.. بل بداية أخرى
كم مرة سقطت المدن وأُحرقت المكتبات وجُرفت الحقول، ثم عادت لتنهض من تحت الركام أجمل مما كانت؟ التاريخ يخبرنا أنّ أعظم قصص النهوض جاءت من تحت الرماد. ليس لأن الألم جميل، بل لأن الإنسان قادر على أن يزرع الحياة في أكثر الأراضي قحطًا.
الأمل في تفاصيل صغيرة
الأمل لا يولد من قرارات كبرى ولا من خطابات سياسية، بل من تفاصيل الحياة اليومية، فتلك الأرملة التي تخرج كل صباح لتبيع الخضار في السوق، لا لأن البيع يدرّ الكثير من المال، بل لأنها تريد أن تثبت لأولادها أن الحياة تستحق أن نكملها، وذلك الطفل الذي يكتب واجباته على ضوء شمعة في ليلة بلا كهرباء، يزرع في قلب أمّه نورًا أكبر من أي مصباح، وتلك الشابة التي أصابتها الحرب في قدمها، لكنها تعلمت الخياطة لتساعد عائلتها، هي وجه آخر للأمل الذي لا ينكسر.
الأمل مقاومة
في زمن الانكسار، يصبح الأمل مقاومة صامتة، أن تزرع وردة في حديقة صغيرة مهدمة، هو فعل مقاومة، أن تصرّ على تعليم طفلك رغم قلة المدارس والكتب، هو مقاومة. أن تكتب قصيدة، أن تغني، أن تعزف، أن تضحك رغم كل شيء… كلها أفعال تقول للعالم: نحن هنا، وسنظل.
أحد الأطباء في مدينة محاصرة كان يخرج كل صباح إلى المستشفى المتهالك، يعرف أن الأدوية قليلة والآلام كثيرة، لكنه قال مرة: “أنا لا أداوي الجراح فقط، بل أداوي اليأس”.
الأمل جماعة لا فرد
حين ننهض وحدنا، يكون الطريق قاسيًا، لكن حين نتشارك الألم ونحوّله إلى قوة، يصبح الأمل أكثر رسوخًا.
– الجارة التي تقدم طبق طعام لجارتها المحتاجة.
– الصديق الذي يسمع صديقه في ساعة ضيق.
– المرأة التي تفتح بيتها للأطفال ليكملوا دروسهم.
هذه دوائر صغيرة تصنع شبكة من الأمل، تحمي المجتمع من الانهيار الكامل.
الإنسان كائن هشّ، لكنه أيضًا كائن عنيد، نحن نرتجف من الخوف، لكننا نحلم بالحرية، نعيش الانكسارات، لكننا نتمسك بالرجاء، إننا كطائرٍ جريح يصرّ أن يرفرف بجناحٍ واحد حتى يجد القوة ليُعيد بناء الآخر.
الأمل قرار داخلي
الأمل ليس شعوراً يأتي ويذهب، بل قراراً يومياً بأن نستمر، قراراً أن نقول: “سأبتسم اليوم، رغم كل شيء”. فالأم التي تغني لطفلها في المخبأ ليست غافلة عن الخطر، لكنها قررت أن تختار صوت الحياة بدل صوت الموت. ففي النهاية، لسنا مجرّد ضحايا لما يحدث حولنا، ولسنا مجرد ملامح في لوحة حزينة يرسمها الزمن، نحن أصحاب قرار “أن نستسلم أو أن نقاوم”، أن نمشي منحنين تحت ثقل الجراح، أو أن نرفع رؤوسنا ونعلن أن الأمل حقّنا المشروع.
أيها القارئ، تذكّر دائمًا أن الأمل لا يُنتظر من أحد، بل يُصنع منك أنت، قد تبدأه بابتسامة صادقة، أو كلمة طيبة، أو بمدّ يدك لمن يظن أنّه وحيد، الأمل ليس بعيدًا، إنه يسكن في قلبك، في قدرتك على أن تقول: “سأكمل، مهما كان الطريق معتمًا”.
فلنكن جميعًا صانعي الأمل، لا حامليه فقط، فلنزرع وردةً في الركام، ولنجعل من قلوبنا مصابيح للآخرين، فربما كان بصيص النور الذي تشعله اليوم، هو الفجر الذي ينتظره الكثيرون غدًا.
في زمن الانكسار… يكفينا أن نؤمن بأننا قادرون على النهوض، مرّة بعد مرّة، لأن الإنسان لم يُخلق ليُهزم، بل ليضيء.