No Result
View All Result
قامشلو/ سلافا عثمان – وسط ضجيج سوق قامشلو ورائحة الخضار الطازجة، تبرز حكاية “عبير العلي”، 23 عاماً، التي تساعد بائع خضار لتعيل نفسها، متحدية الأعراف الاجتماعية وقسوة الوحدة، لكسب رزقها بكرامة رغم فقدانها العائلة والمأوى.
في سوق الخضار الشعبي بمدينة قامشلو، حيث تختلط أصوات الباعة بنداءات الزبائن، وحيث تُرصّ السلال المليئة بالخضار الطازجة على بسطات خشبية قديمة، تقف الشابة “عبير العلي” من سكان الحسكة وتقيم حالياً في مدينة قامشلو، ترتب الخضار بعناية، تمد يدها للزبائن بابتسامة صافية، وتحمل صناديق ثقيلة لا تقل عن وزنها، فقد يمر الكثيرون بجانبها دون أن يتخيلوا قصتها، لكنها اليوم تكتب لنفسها مساراً مغايراً لما اعتاد عليه المجتمع.
فقدان العائلة والاعتماد على الذات
وخلال لقاءٍ خاص، بينت “عبير العلي” لصحيفتنا “روناهي”: “بدأت العمل منذ نحو شهر ونصف عند محل بيع الخضار في السوق، حيث أساعد صاحبه في ترتيب البضاعة وبيعها، لقاء أجرة يومية، فالعمل متعب ولكنه شريف، أنا راضية به لأنه هذا العمل يوفر لي دخلاً ثابتاً أعيش منه”.
ورغم أن عملها مع هذا الرجل يوفر لها مصدر رزق، إلا أن وجودها كامرأة في هذا المجال ليس بالأمر المألوف في مجتمعنا، فبيع الخضار مهنة ارتبطت منذ زمن طويل بالرجال، وأي محاولة لكسر هذا التقليد تواجه سيلاً من الانتقادات والهمسات.
وأوضحت عبير موقفها من تلك النظرات: “المجتمع لا يتقبل بسهولة أن تعمل فتاة في بيع الخضار، لأن أفراده يعدونه عيباً، ويقولون إن هذا المكان ليس للبنات، ولكنه لي عمل ومصدر شرف، لن أتركه بسبب كلام الناس، فأنا بحاجة العيش بكرامة”.
النظرات والانتقادات التي تسمعهما لم تزدها إلا إصراراً، فهي لا ترى في عملها إلا مصدراً للرزق وحياة كريمة، خاصةً في ظل غياب والديها وسفر إخوتها الذين انقطعت صلتها بهم منذ سنوات.
وروت عبير قصتها بصوت متأثر: “أبي وأمي توفيا منذ سنوات، وإخوتي سافروا إلى خارج البلاد، ولا يوجد تواصل بيننا، بقيت وحيدة بلا معيل، ولم يكن أمامي سوى الاعتماد على نفسي”، هذا الغياب العائلي جعلها أكثر قوة وإصرارا على مواجهة الحياة بمفردها، فهي تعلم أن لا أحد سيقف بجانبها إن استسلمت للظروف أو تخلت عن عملها.
صعوبات خارج السوق
ولا تنحصر معركة عبير ضمن السوق فقط، فهناك تحديات أصعب تواجهها في حياتها اليومية: “مشكلتي الكبرى ليست في العمل، بل في مكان النوم، لا يوجد لدي مأوى يحميني، أحياناً أجد نفسي مضطرة للنوم في أماكن غير مناسبة وهذا أمر يرهقني كثيراً”.
حرمانها من أبسط حقوق الإنسان كـ “مأوى آمن” يضاعف حجم معاناتها، ويجعل قصتها أبعد من مجرد فتاة تكسر العادات بالعمل في بيع الخضار، لتصبح قصة صمود في وجه الحرمان والفقدان.
ورغم كل ما تمر به، فإن عبير لا تشعر بالخجل من عملها: “أنا مفتخرة بعملي، صحيح أنه متعب، لكنه يعطيني قوت يومي ويجعلني لا أحتاج إلى أحد، وهذا يكفيني الآن”.
فقصة “عبير العلي” ليست مجرد حكاية فتاة تبيع الخضار مع رجل في سوق قامشلو، بل قصة تحدٍ لنظرة المجتمع وقسوة الظروف، قد لا تملك بيتاً يأويها أو عائلة تحميها، لكنها تملك إرادة تجعلها صامدة رغم قسوة الحياة.
No Result
View All Result