جوان عبدال
يعاني بعض الأدباء -إن لم نقل معظمهم- أكانوا شعراء أم قاصين من العنونة لنتاجاتهم الإبداعية، بحيث يعكس العنوان مضمون النص الأدبي، وبما يتواءم وروح المتن مائة بالمائة، فقد يلجؤون إلى الاعتباطية في تحديد عناوينهم، وهنا تجد المفارقة في إيرادها، وبأنها بعيدة عن محتوى النصوص، والسؤال: أتأتي صعوبة إيجاد عنوان موفق إلى احتواء المتن لعدة حالات شعورية ودلالية، أم إلى ماذا؟
وفي عملية نقدية ومراجعة بعض الكتب الشعرية والمجموعات القصصية؛ يُرى أن الكاتب يعمد إلى التناص والتماهي بعد كتابة نصه وعنونة محتواه، وعادة يحتوي أي نص على عدة محاور قد تتقاطع أو تتباعد، فمن هنا تأتي الحيرة ويظهر التشتت أحيانا، وهذا القول يشمل العنوان الرئيسي أو العناوين الفرعية ضمنا داخل المتن أيضا، وبعد أن يعيى بإيجاد عنوان مطابق، يلجأ إلى الإيحاء أو الرمز والمواربة خلف إحداثيات، وثيمات عدة تتوافق أو لا تتوافق بالضرورة، إنما هي تكملة لا بد منها، أو يلجأ إلى عنوان نافر ومضيء للتمويه، أو يجلب المزيد من لفت الانتباه.. والأمر يختلف من حالة إلى أخرى ومدى حرفنة الكاتب في ذلك.
فإلى أي مدى يتطابق العنوان مع متنه أو يختلف عنه، ولماذا لا يكون المكتوب معروفا من عنوانه، إلا إذا فتحته وقرأت ما دوّن فيه، فهل النص لا يخون نفسه، ولا يشي منبَّأ بما فيه تكبرا وتيها في العنوان الصريح أو مبينا عن محتواه أم أنه يختبئ خلف التباس لذيذ؟
لذا؛ نجد في بعض النصوص الكثير من العناوين المتشابهة، ولكنها ليست بالضرورة متشابهة في المضمون بل أنها مغايرة للنص، أو العكس، أي أننا نجد في النصوص الكثير من المضامين المتشابهة، ولكنها ليست بالضرورة متشابهة العناوين، فتحس بالمفارقة جلية في بنيتها، انزياحا أفقيا وتأويلا شاقوليا.
عادة تستجدي حالة الكتابة عند كاتب الشعر وكاتب القصة بفكرة أو حدث أو خبر تناصي، فيترافق ذلك أحيانا باختيار عنوان محدد يتم تحت ظله أن يُكتب الموضوع، وفي هذه الحالة؛ تتم الكتابة إلى آخرها وإلى نهاية محددة بسلاسة وسلام فلا إشكال ولا تشتت ولا من يحزنون، كما في كتابة المقالات المحددة بإطار ومضمون معروف سلفا التي تفترض وجود فكر منسجم متماسك بمعلومات مدغمة بالحقائق والبديهيات، ويكون المكتوب مبيناً من عنوانه.
ولكن النص الإبداعي مراوغ ومتذبذب في أكثر الأحيان، يكتب نفسه ثم في الاستطراد يغير وجهته، وينحو إلى مرتع آخر، وليس على الكاتب في هذه الحالة إلا أن يسير خلفه لاهثا منقادا محموما وإلا سيفقد أثره، أو أن يركب النص أثناء الكتابة في عدة اتجاهات كنقطة زئبق يأخذ مجاري عدة في سيلانه على سطحه الأملس، وبعد الانتهاء يرى الكاتب عمله على شكل آخر مغاير من بذرته الولودة، فيحتار لوهلة ماذا سيسمي هذا المولود الجديد-الذي لابد وأن يسمَّى- وإلا تاه في الفراغ، وهكذا، فغالبا ما يخضع تسمية المولود الجديد للتأويل للإيحاء به، ولكنها تسمية ضبابية لا ترصد الحالة ولا تحيط بثيماتها.
أو إن النص الإبداعي يحتوي على عدة محاور كما أسلفنا أعلاه، فمثلا في قصة ما مقسمة أو مرقمة إلى ثلاثة أرقام-1-2-3-، ففي المقطع الأول نجد حالة حب وعشق أو في البداية “العرض”، وفي المقطع الثاني نجد عملية صد وممانعة ومعوقات لذلك الحب أو في الوسط “العقدة”، وفي المقطع الثالث نجد حالة اليأس تسفر عن الإحضار للثأر والتهيئة لجريمة لتنفض الغبار عن القلب المجروح أو في النهاية “الخاتمة”، (كما هو المأمول من أصول ومقومات العمل الإبداعي في القصة).
وهنا يطرح السؤال نفسه: بماذا يُسمى هذا النص؟ لأنه ليست هناك كلمة جامعة عن المعاني الثلاثة أعلاه في كلمة دلالية واحدة. والخيارات عديدة وكثيرة ومتنوعة.. وهنا تظهر إشكالية أو لنقل حيرة باختيار المضمون، الذي يضم المحتوى على شكل أسلم وأقرب للمعنى، فهل يا ترى نقول لإيجاد مبرر مستجد: حب وصد وثار. وأعتقد إن هذا العنوان حسب المحتوى مناسب جدا، ولكن فنيا ودلاليا لا أعتقد بأنه موفق في اختياره. أم نبحث عن أحد أهم تلك الحالات في ذلك النص بأن تسمى مثلا: حب أو صد أو ثار.. أم نختار كلمتين في ذلك التآلف ونُعَنْوِن بها النص، حب وصد، أو حب وثار، أو صد وثار، أم ماذا؟
هذا فيما يتعلق بالحالات المعنوية إن لم نلجأ إلى الشخصية (أي ذكر اسمها) أو البيئة التي تتواجد فيها، أو القفلة المدهشة والصدمة المفاجأة، ونستعيرها لتفي بما يلزم، أو أن نلجأ إلى اجترار عنوان ليس في النص منه شيء، وهذا ما أقول عنه “المعاناة في عنونة النتاج الإبداعي” وكانت بها هذه المقالة. هنا لا أنكر قد يتوافق العنوان مع المتن، ويؤول إلى بعد أشمل، ولكن أقول عنها: رمية من غير رام، موفقة كانت أم لا. وقد ترى نصوصا متباينة أو عناوين متباينة، وأعتقد أن هذا مربك قليلا.. فالعناوين المختصرة التي تتألف من كلمة واحدة، هي كلمة دلالية إشكالية في الوقت ذاته لأنها تحمل عدة معان، لا يعرف لها برٌّ.
لذا أعتقد من تجربة ذاتية حين أتناول نصا قصصيا بالقراءة، أبتعد أولا عن العنوان، وأبدأ بالمتن والنص السردي قبلا، لحدسي بأن ذلك لن يفيد، أو لن يزيد ويؤخر في شيء، لأن المتناول السردي سيفصح عن نفسه أولا وأخيرا دون إيحاء وإعلان كاذب مراوغ، وبعد الانتهاء ألجأ إلى العنوان ومدى ارتباطه وتوافقه مع نصه، أو مدى إرباكه واعتباطه لتجانس الداخل مع الخارج..