No Result
View All Result
د. مرشد اليوسف
في زمن الأزمات، تظهر المعادن الحقيقية للشعوب والمجتمعات، وتنكشف النوايا ما بين من يسعى للبناء ومن يدفع نحو الهدم. واليوم، في قلب الأزمة السورية المتواصلة منذ أكثر من عقد، تبرز محاولات متعددة لتقسيم النسيج الاجتماعي السوري وزرع الفتن بين شعوبه، خاصةً بين الكرد والعشائر العربية، وهما ركنان أساسيان من أركان روج آفا وشمال وشرق سوريا.
والعشائر العربية الأصيلة، التي تنحدر من عمق التاريخ والجغرافيا السورية، لطالما كانت مصدر استقرار، ومرجعية للصلح وسندًا للتعايش، وهي لم تكن يومًا وقودًا للفتن ولا أداة في أيدي المتصارعين، بل كانت وما زالت تنظر إلى جيرانها الكرد نظرة أخوّة وتكامل، لا تفوّق ولا عداء.
ومنطقة الجزيرة والفرات وسائر الشمال الشرقي من سوريا، كانت وما تزال نموذجًا حيًا على التعايش الكردي ـ العربي. فالعائلات الكردية والعربية لا يجمعها فقط الجوار الجغرافي، بل أيضًا المصاهرة، والتجارة، والعمل المشترك، وحتى الهمّ والمصير المشترك. ولم نسمع يومًا، عبر القرون، عن اقتتال حقيقي بين الكرد والعشائر العربية، ولم يكن هناك من عداوة تُذكر، لأن الطرفين يعلمان جيدًا أن المصير واحد، وأن الأرض تتسع للجميع.
ولكن في السنوات الأخيرة، وخصوصًا في ضوء محاولات بعض القوى الداخلية والإقليمية جرّ بعض الأشخاص المحسوبين على العشائر إلى معسكر الصراع ضد الكرد أو ضد الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وبدأت تنذر بظهور الفتن والمخاطر من اقتتال بين أبناء المنطقة وبالأخص الكردية والعربية.
والمشكلة ليست في العشائر، بل في قلّة من النفوس المريضة، الذين يبيعون الولاءات لمن يدفع أكثر، ويعملون على تأجيج الصراعات عبر خطاب الكراهية والتحريض الإعلامي والعسكري. وهؤلاء لا يمثلون العشائر، ولا يعكسون روحها، ولا يُعبّرون عن مصالحها.
ومن السهل قراءة المشهد، فكلما اقتربت شعوب سوريا من بعضها البعض، وكلما أثبت الكرد والعرب إمكانية التعاون والإدارة المشتركة، هرعت بعض الجهات إلى زرع الفتنة، كي لا تكون أساساً أو ركيزة نحو بناء سوريا تعددية ديمقراطية لا مركزية.
والزج بالعشائر العربية الأصيلة في هذا المخطط، هو انتحار سياسي، واجتماعي، بل وخيانة لذاكرتها التاريخية التي لطالما كانت عنوانًا للحكمة والتوازن.
لا شك إن الطريق الوحيد لحماية سوريا، والحفاظ على وحدة أراضيها ونسيجها الاجتماعي، هو التفاهم بين الشعوب، لا تخوين وتأليب طرف على حساب طرف.
والعشائر العربية الحقيقية لن تكون أداة في يد من يهدد وحدة البلاد، والكرد ليسوا أقلية متمردة، بل شعب أصيل من الشعوب السوريّة، قدموا التضحيات، وشاركوا في بناء المستقبل السوري الجديد، وإذا دخلنا في العمق؛ فإن الكرد والعشائر… أبناء للأرض لا خصوم عليها.
ولنتذكر جميعًا إن الخنادق التي تُحفر بين الكرد والعرب اليوم، لن تُبقي أحدًا آمنًا غدًا. وإن الفتنة لا تفرّق بين شيخ عشيرة أو فلاح كردي أو طفل من الحسكة أو الرقة أو دير الزور، والوطن لا يُبنى بالتحريض، بل بالشراكة، والعشائر لا تُختطف بمشاريع مشبوهة، بل تُحترم وتُحتضن كمصدر توازن ووعي.
No Result
View All Result