No Result
View All Result
د. طه علي أحمد
لم يكن اللقاء الأخير بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره التركي رجب طيب أردوغان مجرد مناسبة بروتوكولية عابرة، بل محطة سياسية تحمل دلالات عميقة عن طبيعة التحولات الجارية في منطقة الشرق الأوسط وفي القلب منها السياسة التركية والأمريكية أيضاً، حيث يكشف هذا اللقاء بما تمخَّض عنه عن ميلٍ واضح لأنقرة نحو واشنطن، وذلك على حساب الخطاب الثوري المعتاد الذي دأب عليه الرئيس التركي أخيراً تجاه قضايا الشرق الأوسط وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
بشكلٍ عام، اعتاد الرئيس ترامب أن يحوّل لقاءاته مع ضيوفه من القادة إلى استعراض مسرحي مفتوح، يضع خلاله ضيوفه في مواقف مُحرجة تتطلب رداً أو تبريراً، فقد شهدنا ذلك مع الرئيس الأوكراني زيلينسكي الذي أصرَّ على مجابهة ترامب علناً، ما أثار استياء الأخير وأدَّى إلى أزمة دبلوماسية، كما رأيناه مع ملك الأردن عبد الله الثاني الذي تجنَّب الصدام حينما أشار المبادرة المصرية بشأن غزة وكان ذلك ردًا على سؤالٍ حول الموقف الأردني من الحرب في غزة.
لكن لقاء ترامب مع أردوغان اتخذ منحى مختلفاً؛ إذ ظهر الرئيس التركي هادئاً ومبتسماً، بعيداً عن صخَب خطابه المعتاد أمام الأمم المتحدة قبل أيام أو في تصريحاته السابقة حول غزة وأوكرانيا وانتقاداته للسياسة الأمريكية وكان آخرها في لقاء مع قناة “فوكس نيوز” الأمريكية قبل لقاء ترامب، هذا الهدوء أثار تساؤلات: هل هو توافق كامل مع واشنطن، أم مجرد تكتيك سياسي، أم إقرار ضمني بضعف أوراق أنقرة في مواجهة البيت الأبيض، أو حتى ضعف مستوى إلمام الرئيس التركي للغة الإنجليزية؟
رسائل محرجة وصمت تركي
من جانبه، لم يفوّت ترامب الفرصة لإحراج ضيفه التركي، مذكّراً بقضية القِس الأمريكي عام 2018 حين تحداه أردوغان وقال يومها “طالما أن الروح موجودة في هذا الجسد (يقصد نفسه) لن يتم الإفراج عنه”، ثم تراجع بعد ذلك أمام ضغوط ترامب ليغادر القس الأمريكي تركيا على طائرة خاصة. كما ألمح الرئيس الأمريكي بلهجته المعتادة إلى معرفة أردوغان بـ”تزوير الانتخابات”، في إشارة مباشرة إلى الداخل التركي. والمثير في هذا الصدد أن الخارجية التركية لم تُصدر أي تعليق رسمي، وهو ما بدا غريباً بالنظر إلى عادة أنقرة في الرد السريع على الانتقادات، بل إن وسائل الإعلام التركية والعربية أيضاً الموالية لأنقرة قد تجاوزت هذه النقطة ولم تعلّق عليها كما تفعل في العادة.
التراجع ومنطق الصفقة
بعيداً عن الخطاب، حمل اللقاء أبعاداً اقتصادية ثقيلة؛ فقد أُعلن عن صفقة شراء 225 طائرة أمريكية لدعم الخطوط الجوية التركية رغم الصعوبات التي يواجهها الاقتصاد التركي، إضافةً إلى اتفاقية طويلة الأمد لاستيراد الغاز المسال من الولايات المتحدة رغم الاعتماد التركي على الغاز الروسي، بما يعيد للأذهان كلمة سابقة طالب فيها ترامب بوقف استيراد تركيا للغاز الروسي والذي كان متنفساً لأنقرة أمام العقوبات الأمريكية بسبب الحرب في أوكرانيا، الأمر الذي قد يفسر في ضوء إصرار أنقرة على التقارب مع واشنطن؛ فالرئيس التركي حاول لقاء نظيره الأمريكي لأكثر من مرة دون جدوى، إلا أن هذه المحاولة قد ارتبطت بمساعٍ دبلوماسية تمثلت في وساطة دونالد ترامب النجل الأكبر للرئيس الأمريكي خلال لقاء “سري” مع أردوغان في مكتب العمل الرئاسي بمجمع دولمة بهتشه بتاريخ 13 أيلول بعيداً عن الأضواء الرسمية، وهي الزيارة التي أعقبها عدد من الخطوات التي يمكن وصفها بالـ “صفقة” حيث أعلنت أنقرة تخفيض الرسوم الجمركية المفروضة على بعض المنتجات الأمريكية، فضلاً عن صفقتي الطائرات والغاز المذكورتين.
التطورات الأخيرة تفرض بدورها سؤالاً نراه مهماً وهو: ماذا يريد أردوغان؟ ربما تكمن الإجابة على هذا السؤال فيما قاله المبعوث الأمريكي توماس بارك بأن أردوغان يبحث عن “شرعية”، لكن عن أي شرعية يتحدث باراك؟ هل يسعى الرئيس التركي إلى شرعية داخلية تدعمه أمام معارضيه، أم إلى شرعية دولية تكرّس دوره كلاعبٍ إقليمي مقبول أمريكياً؟ وهو ما يتسق مع التسريبات التي كشفتها المعارضة بقيادة رئيس حزب الشعب الجمهوري أزغور أوزيل الذي قال بأن أردوغان على استعداد لتقديم تنازلات كبيرة خلف الكواليس خدمة لمصالحه السياسية. بشكلٍ عام، فإن الإجابة على هذه التساؤلات ربما تشَكّل ملامح المستقبل؛ فالسياسة البراغماتية المعهودة لدى الرئيس التركي ربما تسعى للضغط على حركة حماس لوقف الحرب في غزة، أو تخفف من انخراطها العسكري في سوريا وشرق المتوسط بشكل عام.
الغاية إذن أن لقاء ترامب وأردوغان ربما يعكس التحولات الإقليمية الجارية والتي تسعى أنقرة أن تضطلع فيها بدور الوكالة لصالح واشنطن بما قد يثير مخاوف فاعلين آخرين مثل موسكو التي تنتظر نتائج هذا اللقاء لينتقل إلى الخطوة التالية نحو مرحلة معقدة تتسارع فيها التحولات، غير أن أهم ما في هذه المرحلة هو انتقال تركيا لمرحلة “الاستقلالية المنقوصة” بما يتوافق مع “الإملاءات” الأمريكية كما كشفت الصفقات الأخيرة، والتي ربما لم يكن وقتها نظر لظروف تركيا الداخلية، وهو ما يثير التساؤل الأهم؛ هل يطوي أردوغان صفحة الاستقلالية؟ لا شك أن الأيام المقبلة تحمل ملامح الإجابة على هذا التساؤل.
No Result
View All Result