No Result
View All Result
إعداد/ دعاء يوسف
مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية السورية المقررة في الخامس من تشرين الأول 2025، تبرز قضية مشاركة المرأة السورية في الحياة السياسية أحد أبرز التحديات، التي تواجه بناء سوريا الجديدة. فمنذ عقود، لعبت المرأة أدواراً بارزة في المجتمع السوري خلال سنوات الحرب والصراع، لكنها بقيت غالباً على هامش القرار السياسي، حيث لم تتجاوز نسب تمثيلها في البرلمان في الانتخابات السابقة 12% في عام 2012، و9.6% في 2016، ثم ارتفعت قليلاً إلى 10.8% في 2020. هذه الإحصاءات تكشف محدودية حضور المرأة في المؤسسات الرسمية بالرغم من أنها تمثل نصف المجتمع السوري وركيزة أساسية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
هذا العام، حدد المرسوم رقم 143 نسبة 20% للنساء في البرلمان الجديد، إلا أن القوائم الأولية تشير إلى تمثيل فعلي لا يتجاوز 17%، وهو ما يسلط الضوء على استمرار فجوة كبيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الواقعي.
وأن الفارق بين النسب المعلنة والتمثيل الفعلي يظهر أن المرأة السورية، ما زالت تعاني من ظلم سياسي واجتماعي واضح، وأن مشاركتها في الانتخابات غالباً شكلية، وليست مشاركة حقيقية في صنع القرار. هذا الظلم لا يقتصر على التمثيل النيابي فقط، بل يمتد إلى مجالات عدة، خاصة السياسية منها، حيث يُستبعد نصف المجتمع من الوصول إلى مراكز صنع القرار وصياغة السياسات، ما يضعف فعالية المؤسسات ويحد من قدرة البلاد على الانتقال الديمقراطي.
المرأة في شمال وشرق سوريا
على الرغم من هذه التحديات، هناك واقع آخر في مناطق إقليم شمال وشرق سوريا، فقد لعبت المرأة فيه دوراً ريادياً منذ تأسيس الإدارة الذاتية الديمقراطية عام 2014، فأصبحت المرأة مشاركة وفاعلة حقيقية في تحمل مسؤوليات الحكم، من المجالس المحلية إلى المؤسسات الإدارية والبرلمانية، وهذا النجاح يعود إلى اعتماد نظام الرئاسة المشتركة في المؤسسات، بحيث يشغل كل منصب سياسي رئاسة مزدوجة بين رجل وامرأة، لضمان المساواة والتمثيل المتوازن.
هذا النظام لا يمنح المرأة حضوراً شكلياً فحسب، بل يتيح لها المشاركة في اتخاذ القرار، بل وممارسة القيادة الفعلية في مختلف القطاعات، بما فيها السياسة، الاقتصاد، التعليم، والأمن المحلي. كما أن الإدارة الذاتية توفر دعماً قانونياً وعملياً للمرأة، يشمل برامج تدريبية، ومبادرات لتسهيل وصول النساء المرشحات إلى مواقع السلطة، وهو ما يعكس التزاماً حقيقياً بمبدأ المساواة بين الجنسين.
ونموذج الإدارة الذاتية يُظهر أن تمكين المرأة سياسياً ليس شعاراً، بل عنصراً أساسياً في بناء مؤسسات مستقرة وقادرة على خدمة المجتمع بشكل فعال، وفي المقابل، يوضح التهميش الذي تعانيه المرأة في المناطق الخاضعة لسلطة الحكومة الانتقالية حجم الفجوة الكبيرة بين الخطاب القانوني، وبين التطبيق الواقعي على الأرض.
تأثير هذا التباين يظهر بشكل واضح على أن مسار بناء الدولة السورية خاطئ، وإن تعزيز دور المرأة في العملية السياسية ليس خياراً بل ضرورة لبناء سوريا جديدة قوية ومستقرة، قادرة على احتضان مواطنيها بشكل متساوٍ، وإطلاق طاقاتهم في بناء مستقبل أفضل. فالتجارب المختلفة بين الحكومة الانتقالية ومناطق الإدارة الذاتية تقدم درساً مهماً، وهو أن أي مسار نحو المستقبل لن ينجح دون إشراك نصف المجتمع، والمرأة السورية هي حجر الزاوية لتحقيق ذلك.
مع اقتراب الانتخابات، يبقى السؤال المطروح؛ هل ستتمكن المرأة السورية هذه المرة من تجاوز حدود التهميش والمشاركة بشكل فعلي في البرلمان الجديد، أم أن سوريا الجديدة ستكرر إنتاج الإقصاء السياسي لنصف المجتمع؟ الإجابة على هذا السؤال ليست مؤشراً سياسياً، بل مفتاحاً لفهم قدرة البلاد على بناء مؤسسات عادلة وديمقراطية، تضمن مشاركة المواطنين بشكل متساوٍ وتحقق العدالة الاجتماعية المنشودة بعد سنوات طويلة من الصراع والانقسام.
No Result
View All Result