No Result
View All Result
د. شفيق عامر
السلم الأهلي يبدأ من ترميم وشفاء النفوس وإعادة بناء الإنسان قبل إعادة الإعمار وترميم الحجر، ما هي العوامل النفسية التي تحرّض على العنف والكراهية والقتل؟
العنف والكراهية والقتل ليست فقط ظواهر اجتماعية أو سياسية بل هي أيضاً نتاج أمراض نفسية عميقة داخل الفرد والمجتمع؛ كيف يمكننا فهم الجذور الداخلية لهذه السلوكيات التي قد تساعد في معالجتها والوقاية منها. فما هي تلك العوامل؟
ـ الحرمان والصدمات النفسية: الحرمان العاطفي أو المادي خاصةً في الطفولة يترك أثرًا نفسيًا عميقًا؛ فالأطفال الذين يعانون من الإهمال ويتعرضون للعنف بكل أشكاله داخل الأسرة أو خارجها أو الفقدان المبكر قد يكبرون وهم يحملون مشاعر غضب مكبوتة وشعور دائم بالظلم التي قد تتحول لاحقًا إلى عدوانية أو رغبة في الانتقام.
– الإحباط وتدني تقدير الذات: الفرد الذي يشعر بالعجز أو الفشل المستمر ويفتقر إلى تقدير ذاته يكون أكثر عرضة للانفجار النفسي في وجه الآخرين، فالعنف هنا يصبح وسيلة لإثبات القوة أو لاستعادة الإحساس بالسيطرة.
ـ غسل الدماغ والتلقين العقائدي: الأفراد الذين يتعرضون لفترات طويلة لدعاية أيديولوجية متطرفة قد يعاد تشكيل وعيهم من خلال ما يُعرف بغسيل الدماغ أو تخدير العقل وتغييب التفكير والمنطق، ففي هذه الحالة يتم تجريد الآخر من إنسانيته ما يجعل قتله أو إيذاءه يبدو مبررًا من وجهة نظرهم النفسية والعقائدية.
ـ الشعور بالضعف والدونية الفردية ينتج عنه ضغط الانتماء للجماعة أو الانتماء القسري: حيث الرغبة في الانتماء لجماعة ما قد تدفع الأفراد لتبنّي سلوكيات عنيفة لا تتوافق مع طبيعتهم الأصلية خاصةً في البيئات التي تمجّد العنف وتعتبره رمزًا للقوة أو الطهارة العقائدية التي تؤثر في سلوك الفرد وتدفعه نحو ممارسات غير إنسانية.
ـ الاضطرابات النفسية والشخصية: بعض الأفراد يعانون من اضطرابات في الشخصية مثل الشخصية السيكوباتية (المعادية للمجتمع) أو النرجسية، حيث يكون فيها الشخص غير قادر على التعاطف مع الآخرين ويميل إلى استخدام العنف كأداة للسيطرة أو الانتقام والإشباع النفسي كما أن بعض الأمراض الذهانية وما يرافقها من اضطرابات تفكير (توهم العظمة وتوهم الاضطهاد) وخلل إدراكي قد يدفع البعض لارتكاب أعمال عنف ظنًا بأنهم يدافعون عن أنفسهم أو ينفذون أمرًا إلهيًا.
ـ البيئة المحيطة وثقافة العنف: البيئة النفسية والاجتماعية التي يترعرع فيها الفرد تؤثر كثيرًا على سلوكه، ففي المجتمعات التي تشجع مظاهر العنف وتُقدّم على أنها وسيلة لحل الخلافات بدل القانون يُصبح العنف خيارا طبيعيًا ومقبولًا نفسياً.
أمّا في السياق السوري فقد مرّت سوريا خلال السنوات الأخيرة بواحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والنفسية في العصر الحديث ومع تصاعد العنف لم يعد الحديث عن الأسباب السياسية والاجتماعية كافيًا بل أصبح من الضروري تسليط الضوء على العوامل النفسية التي تغذّي هذا العنف وتحرض الأفراد على الكراهية والقتل وتمزّق النسيج المجتمعي السوري ومن هذه العوامل:
ـ الصدمات النفسية الجماعية والفردية: حيث تعرض ملايين السوريين لصدمات نفسية نتيجة الحرب الممنهجة وما نتج عنها من فقدان الأحبة والتهجير القسري والتعدي والاعتقال والتعذيب والاغتصاب والمجازر فهذه التجارب تؤدي إلى ما يُعرف بـتفاعل الكرب التالي للرض النفسي (PTSD) والذي يرافقه شعور بالغضب والحزن والخوف المزمن ورواجع زمنية وصور عالقة بالذاكرة تعيد المشاهد المؤلمة والقاسية إلى الأذهان وفي كثير من الأحيان يتحول هذا الغضب إلى عدوانية موجهة نحو الآخر خاصةً إذا تم تحميله مسؤولية ما جرى.
ـ بيئة الكراهية والتلقين العقائدي: حيث انتشرت في بعض المناطق السورية مجموعات متطرفة غذّت العنف عن طريق خطاب الكراهية الممنهج الذي قام على تكفير الآخر أو تصويره كعدو وجودي في ظل الفقر والجهل وفقدان الأمل وجد بعض الشباب في هذه الخطابات متنفساً نفسياً ومصدراً للشعور بالقوة والانتماء.
ـ الإحباط وفقدان السيطرة: حيث يعيش السوري في بيئة غير مستقرة يفتقر فيها للأمان وأبسط مقومات الحياة هذا الشعور المستمر بالعجز والإحباط وفقدان الأمل واللاجدوى يولد حالة من الإحباط المزمن قد تدفع البعض للتصرف بعنف إما انتقاماً من المجتمع أو من الذات أو من الآخر المختلف.
ـ تشوه الهوية والانتماء: الحرب ساهمت في زعزعت الهوية الثقافية والدينية والانتماءات الوطنية والقومية؛ ما دفع البعض للبحث عن بدائل متطرفة تمنحهم الإحساس بالهوية حتى لو كانت عنيفة وقبل وطنية أو لا وطنية فالانتماء لمجموعة تستخدم القتل والعنف قد يكون في بعض الحالات محاولة للتعويض النفسي.
ـ اضطرابات نفسية غير معالجة: بسبب انهيار النظام الصحي والنفسي في كثير من المناطق لم يتلقَ عدد كبير من السوريين الدعم النفسي اللازم بعد الصدمات، فالأطفال الذين نشأوا في بيئة حرب والجنود والمقاتلون السابقون والناجون من التعذيب جميعهم يعانون من آثار نفسية خطيرة والتي ظهرت على شكل سلوكيات عنيفة لاحقًا.
ومن هنا؛ فإن فهم العوامل النفسية التي تؤدي للعنف والكراهية والقتل في المجتمع السوري ضرورة لبناء السلام الحقيقي فلا يكفي وقف إطلاق النار أو تحقيق الاستقرار الأمني وفرض السلطة بل يجب أيضاً إعادة تأهيل الأفراد والمجتمع نفسياً ونشر ثقافة التسامح وتحقيق العدالة الانتقالية وتوفير العلاج النفسي للضحايا ولأولئك الذين تورطوا في العنف وإعادة التأهيل النفسي والسلوكي للأطفال وإنشاء مراكز متخصصة ونشر ثقافة الحوار وتقبّل الآخر المختلف من خلال وسائل الإعلام وتأسيس حوار وطني شامل لبناء عقد اجتماعي جديد ووضع دستور وقوانين تؤكد مفهوم المواطنة والقانون وصيانة كرامة الإنسان وفصل الدين عن الدولة وغيرها من الإجراءات التي يصعب عدها.
فالسلم الأهلي يبدأ من ترميم وشفاء النفوس وإعادة بناء الإنسان قبل إعادة الإعمار وترميم الحجر.
No Result
View All Result