زاوية بصمة امرأة ـ حنان عثمان
تطلّ ريبيكا غولدشتاين صوتاً فلسفياً يمزج بين الفكر النقدي والالتزام الأخلاقي، جاعلةً الفلسفة طاقة حيّة لتحرير الإنسان. منذ بداياتها الأكاديمية سعت إلى إعادة الفلسفة من برجها العاجي إلى قلب الأسئلة الراهنة: كيف نحمي كرامة الإنسان؟ وما الذي يمنحنا أخلاقاً مشتركة في عالم تتنازعه القوميات والدوغمائية؟ فيما يتعلق بها، الفلسفة ليست تبادلاً فكرياً وذهنياً بل ممارسة مقاومة، هدفها توسيع أفق التعاطف وتحدي كل سلطة تُقيّد العقل.
هذا الإيمان بالعقل كقوة تحرر انعكس أول ما انعكس على نظرتها إلى المرأة. فقد خبرت ريبيكا كيف يُحاصر المجتمع النساء بأسوار غير مرئية، فجعلت كتاباتها منصة؛ للتأكيد أن تحرير المرأة المدخل إلى تحرير المجتمع بأسره. في رواياتها وشروحها الفلسفية يظهر الجسد والعقل في حوار دائم، لتقول إن المساواة تُنتزع عبر النقد والبرهان، وإن أي مشروع سلام يبقى ناقصاً ما لم تتبوأ النساء موقع القيادة فيه.
من هذا المنطلق يمكن فهم رسالتها الأخيرة التي أثارت اهتمام الأوساط السياسية والفكرية. فقد وجّهت خطاب تأييد لمبادرة المفكر عبد الله أوجلان، حيّت فيه النداء الصادر في السابع والعشرين من شباط، مشيدةً بدعوته إلى السلام وتعزيز القيم الاجتماعية والديمقراطية، ومعربةً عن سعادتها بانطلاق عملية السلام بين الدولة التركية والكرد المقيمين فيها. كما وصفت قرار حزب العمال الكردستاني بحل هيكليته التنظيمية، بأنه خطوة “ملهمة وفرصة تاريخية نادرة يجب اغتنامها”. لا يعد هذا الموقف تضامناً سياسياً عابراً، بل انعكاساً لرؤيتها الفلسفية العميقة: وأن العقل الجمعي قادر على كسر دائرة العنف، وأن الاعتراف المتبادل أساسٌ لكل عدالة ممكنة.
ريبيكا غولدشتاين التي تؤمن بأن التقدم الأخلاقي للبشرية نتاج قوة البرهان العقلي، قرأت في مبادرة القائد أوجلان مثالاً نادراً على شجاعة فكرية تتقدّم على الحسابات الضيقة. فالانتقال من الكفاح المسلح إلى أفق الحوار والديمقراطية يعكس ما تعده “القدرة المدهشة للعقل على إعادة تخيّل المصير”. وكما دافعت في كتاباتها عن استقلال الأخلاق عن أي إملاء ديني، ها هي تدافع عن سلام يتجاوز القومية والطائفة، سلام يقوم على المشاركة والكرامة الإنسانية. إن دعمها لهذا النداء يعكس القناعة المجتمعية، التي تضع النساء في قلب مشروعها السياسي هي الأقدر على ترسيخ سلام دائم، وهو ما يتجلّى في التجربة الكردية التي منحت النساء دوراً بارزاً في الإدارة والمقاومة معاً.
هكذا تلتقي الفلسفة التي صاغتها ريبيكا غولدشتاين طوال عقود مع لحظة سياسية تاريخية، لتؤكد أن الفيلسوف ليس مراقباً محايداً بل فاعلاً أخلاقياً. إن رسالتها تعد امتداداً لفكر يرى في العقلانية والتعاطف سبيلاً إلى إنقاذ الإنسان من كافة أنواع العنف. كما أنها تذكّرنا بأن الفلسفة، حين تنفتح على هموم الناس، تصبح أداة لتغيير التاريخ، وأن تحرير المرأة والسلام العادل وجهان لقيمة واحدة هي الكرامة الإنسانية. بهذه الروح، تقدم ريبيكا غولدشتاين درساً بليغاً: الفلسفة لا تنتمي إلى الماضي، بل هي فعل حاضر يضيء الطريق نحو مستقبل تتسع فيه الحرية.