No Result
View All Result
الطبقة/ عبد المجيد بدر ـ صمدت مسمكة “أبو عيش” منذ عام 1984 على ضفاف نهر الفرات، شاهدة على أربعة عقود من الجهد والإصرار، حاملة إرث عائلة ورثت المهنة عن الآباء لتصبح رمزاً للصمود والعمل الشريف في قلب مدينة الطبقة.
في شارع فايز منصور وسط مدينة الطبقة، حيث تختلط أصوات الباعة بروائح الأسواق، تقف مسمكة قديمة تُعرف باسم “مسمكة أبو عيش”، التي أُسِّست عام 1984، خلف واجهتها البسيطة ورائحة السمك الطازج، تبدأ قصة عائلة ورثت المهنة عن الآباء وحافظت عليها للأبناء والأحفاد.
أُسِّست مسمكة أبو عيش على يد الحاج “عبد السلام أبو العيش”، في وقت كانت مدينة الطبقة بسيطة ويشتد فيها تنافس التجار على الصيادين، كانت البداية صعبة، ولكن الهدف كان واضحاً “تقديم الأسماك مباشرة للناس بأسعار عادلة وتحرير الصيادين من سيطرة التجار”.
واليوم يقف ابنه “ياسر عبد السلام أبو العيش” (47 عاماً) خلف الطاولة الخشبية، ليواصل مسيرة والده، حيث قال بابتسامة هادئة، خلال لقاء مع صحيفتنا روناهي: “هذه المسمكة مصدر رزق لي ولإخوتي ولأحفادي، وسنورثها جيلاً بعد جيل. ليست لنا وحدنا، بل لأهل الطبقة جميعاً”.
صمود رغم الصعاب
وواجهت المسمكة صعوبات كثيرة على مر السنين، بدءاً من الأتاوات المفروضة على الشاحنات في زمن النظام السابق، مروراً بتقلبات الحرب والتخبط الأمني، وصولاً إلى غلاء تكاليف النقل وضرورة استخدام الثلج للحفاظ على الأسماك عند شحنها مسافات طويلة.
وأضاف أبو العيش: “في السابق كنا نبيع ثلاثة أطنان من السمك يومياً، أما اليوم فنبيع نحو مائة كيلو فقط. انخفاض منسوب مياه الفرات أدى إلى نفوق أنواع كاملة كانت تشتهر بها الطبقة مثل السمك الرومي، والكرسين، والبوري، لكننا ما زلنا محافظين على سمعتنا وجودة بضاعتنا”.
ويرتبط عمل المسمكة ارتباطاً وثيقاً بنهر الفرات، الذي يشكل العمود الفقري لاقتصاد المدينة. ومع كل تغير في منسوب المياه، تتأثر حياة الصيادين والتجار والزبائن.
وأشار أبو العيش إلى الأسماك المرصوصة على الثلج: “كلما ارتفع منسوب مياه الفرات، عاد السمك يفيض من جديد مطلبنا من الجهات المعنية أن تؤمّن المياه الكافية لسد الفرات، فالنهر هو حياتنا وعماد اقتصادنا”.
والأنواع المتوفرة اليوم تشمل السمك “البني، والكرب، والمطواق، والجري، والحنكليز، والسلور، فيما اختفت أصناف مثل الرومي والكرسين والبوري”.
دور اجتماعي يتجاوز البيع
ولم تكن المسمكة محلاً تجارياً، بل لعبت دوراً اجتماعياً مهماً في حياة أبناء المدينة. منذ تأسيسها ساهمت في خلق فرص عمل للشبان واليافعين، خاصة في فترات البطالة وقلة الوظائف.
وقد لفت أبو العيش: “بعض أولادي أكملوا دراسته، وبعضهم حمل عني العمل في المسمكة، فمن لم يجد طريقاً في التعليم، وجد هنا مصدر رزق، وحتى أبناء الجيران وأبناء المدينة، كثيرون عملوا هنا عبر السنين”.
وقد أصبحت المسمكة أيضاً رمزاً للعمل المستمر والمثابرة، وملتقى للأهالي، فتتشابك رائحة السمك مع ذكرى المدينة على مر العقود.
السمعة والإرث
وعلى الرغم من التحديات، بقيت مسمكة أبو عيش واقفة في شارع فايز منصور، رمزاً لسمعة عائلة ارتبط اسمها بالصدق وحسن المعاملة.
واختتم “ياسر عبد السلام أبو العيش” حديثه: “أربعون عاماً وأنا هنا، تعبنا كثيراً، لكن السمعة الطيبة والمثابرة أبقت المسمكة صامدة حتى اليوم”.
هذا، وتخطط العائلة لتطوير المكان قريباً، عبر تحسين مرافقه وإضافة لمسات جمالية، ليبقى ملائماً للأجيال الجديدة التي سترثه.
فمسمكة “أبو عيش” قصة عائلة صمدت في وجه التحديات، وذاكرة مدينة ارتبطت بالفرات وخيرات مياهه. من الأب المؤسس إلى الابن الذي يواصل المشوار، ومن الماضي البسيط إلى الحاضر المليء بالتحديات، تظل المسمكة رمزاً للإصرار والعمل، وحكاية حيّة ترويها رائحة السمك الطازج في كل ركن من شارع فايز منصور.
No Result
View All Result