زاوية الدين والحياة ـ علي زاخراني
في زمن تتقاذفه رياح الصراعات السياسية كالعواصف العاتية، وتنثر فيه الأزمات الاقتصادية شظاياها كما تتناثر الرمال في صحراء قاحلة، وتتداخل فيه الخيوط الاجتماعية والثقافية والأخلاقية حتى تبدو كعقدة يصعب حلها، يظل السؤال الأزلي يطرق أعماق الروح: ما الإنسان؟ وكيف يحافظ على إنسانيته وسط زوبعة تهدد بطمس ملامحه؟
إن الإنسانية ليست لفظاً عابراً، بل جوهراً يُعاش، ونوراً يُستضاء به، وعهداً يُوفى به أمام غياهب الظلم والظلام، ومن هنا، نستضيء بأنوار الفكر الإسلامي الذي رسم ملامح الإنسانية بألوان المساواة والعدل، حيث لا ظلم ولا تمييز بسبب عرق أو لون أو جنس، مستنداً في ذلك إلى نصوص قرآنية وأحاديث نبوية تشبه النجوم التي تهدي التائهين في ليل الضياع.
تأمل، أيها القارئ، في هذا العالم الممزق:
ـ سياسياً، دول تتناحر على السلطة والحدود، فتسفك الدماء وتُهان الكرامة.
ـ اقتصادياً، تتسع الفجوة بين الطبقات، فيغتني قوم على حساب غيرهم، ويغدو الفقر سجناً قاسياً.
ـ اجتماعياً وثقافياً، تنتشر العصبيات والتمييزات، فيتحول العرق والدين واللون إلى سيوف تقطع أوصال الأخوة الإنسانية.
ـ أما أخلاقياً، فتتآكل القيم، ويغفو الضمير، فيصبح الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان.
في خضم هذا الواقع، يشرق الإسلام كمنارة تنير الطريق، معلناً أن الإنسانية الحقة هي عدل ورحمة، وأن الإنسان خُلق ليعبد الله ويخدم أخاه، لا ليظلمه أو يستعبده.
يبدأ الإسلام تأسيسه لمعنى الإنسانية من الأصل الواحد المشترك، حيث يجتمع البشر تحت مظلة الأخوة. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].
إنها ليست مجرد آية، بل دستوراً للإنسانية، يقرر أن التنوع وسيلة للتعارف والتعاون، لا للتفاخر أو التنافر، وأن معيار الكرامة الحقيقي هو التقوى.
وفي السنة النبوية، رسخ رسول الله ﷺ هذا المعنى بأبلغ الكلمات، فقال في خطبة الوداع: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى».
بهذا أزال النبي جذور العنصرية، التي لطالما أشعلت الحروب وأفسدت المجتمعات.
كما قال ﷺ: «الناس سواسية كأسنان المشط»، في صورة بليغة للمساواة التامة، ثم يذكّرنا بقوله: «إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما المؤمن تقي، والفاجر شقي، كلكم بنو آدم، وآدم من تراب».
أما في مواجهة الظلم، فقد أمر الله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135]، ليؤكد أن العدل قيمة لا تُباع ولا تُشترى، ولا تُفرّق بين قريب وبعيد.
ويحذر الإسلام كذلك من العصبية التي تزرع الكراهية، إذ قال النبي ﷺ: «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية».
فكن إنساناً، أيها القارئ، في عالم يحاول أن يحولك إلى وحش، اجعل الفكر الإسلامي دليلك، فهو لم يأتِ ليمزق بل ليوحّد، ولم يأتِ ليظلم بل ليعدل.
إن طبّقنا مبادئه، سنبني عالماً يعمه السلام، يتعارف فيه الناس بدلاً من أن يتناحروا، ويجب عليهم أن يتعاونوا عوضاً عن أن يتقاتلوا.
فلتكن إنساناً، ولتجعل التقوى ميزانك، والرحمة دليلك، والعدل سلاحك في وجه الظلم والظلام.