No Result
View All Result
أيمن روج
في جغرافيا تمزقها التدخّلات الدولية، وتنهشها أنظمة الاستبداد من الداخل، يصبح الحديث عن الحماية الذاتية والدفاع المشروع ضرورة وجودية قبل أن يكون خيارًا سياسيًا.
إقليم شمال وشرق سوريا، كنموذج للمقاومة والتحول الديمقراطي، لم يصل إلى قناعته بحتمية الدفاع الذاتي من فراغ، بل جاء ذلك بعد تاريخ طويل من التهميش، والإنكار، والاستباحة.
لقد أدركت شعوب هذه المنطقة باختلاف مكوناتها من كرد وعرب وسريان وآشوريين وتركمان وأرمن وغيرهم، إن الاعتماد على المركز أو على القوى الخارجية لا يعني سوى انتظار مجازر جديدة وتكرار حلقات الاضطهاد في كل تحول سياسي أو عسكري. ولذلك، ظهر مبدأ الحماية الذاتية والدفاع المشروع كإحدى الركائز الأساسية لفلسفة الأمة الديمقراطية، وهي فلسفة تتجاوز الدولة القومية والنظام المركزي، وتسعى لبناء مجتمع حرّ، مُنظم، يُدير نفسه بنفسه ويقرر مصيره بإرادته الجمعية.
ففي قلب هذه الفلسفة، لا يُنظر إلى الحماية الذاتية كعملٍ عسكري محض، بل كممارسة مجتمعية شاملة تبدأ من تمكين المرأة والشباب، وتمر عبر بناء مؤسسات عدالة ومجالس محلية، وتنتهي بالقدرة على الدفاع المشروع عن الأرض والكرامة. وعندما تتحدث شعوب شمال وشرق سوريا عن وحدات حماية الشعب أو قوات سوريا الديمقراطية، فإنها لا تشير فقط إلى مجموعات مقاتلة، بل إلى بُنية دفاعية نشأت من داخل المجتمع نفسه، دون تبعية للخارج، ودون أجندات توسعية أو طائفية، هذه البنية تحولت مع الوقت إلى مظلة حماية لشعوب تعرّضت لكل أنواع المجازر، لا لذنب اقترفته، بل لأنها ببساطة لم تكن تملك أدوات الحماية الذاتية عندما انهارت الدولة وتحولت إلى أطلال.
ولا يمكن الحديث عن الحماية الذاتية دون التطرق إلى المجازر التي وقعت في سوريا خلال عهد نظام الأسد الأب والابن. من حماة 1982، إلى سجن تدمر، إلى مجازر داريا والغوطة وحلب، فإن السوريين ذاقوا مرارات الموت الجماعي على يد سلطة اعتبرت الشعب عدوًا وجوديًا. غياب أي قوة دفاع مجتمعية، وتفكيك المجتمع المدني، وتحويل الجيش إلى أداة لحماية السلطة لا الشعب، سمح بوقوع هذه الفظائع دون مقاومة تُذكر. لقد ثبت أن أي مجتمع لا يملك أدوات الدفاع الذاتي، يتحول في لحظة إلى ضحية جاهزة في مسرح الدم السوري. نظام الأسد بنى سطوته على تدمير البنية الاجتماعية المنظمة، وقمع كل أشكال التنظيم المجتمعي المستقل، بل جعل حتى الأمن الشخصي مرهونًا بالولاء السياسي، فكان السجن والتعذيب والموت نصيب كل من خرج عن الطاعة.
أما بعد تفكك الدولة المركزية وظهور قوى معارضة مختلفة، فقد وقعت مأساة من نوع آخر. القوى التي ادّعت تمثيل الثورة، كالحكومة السورية الانتقالية وبعض مجموعات ما يسمى بالجيش الوطني، مارست سياسات طائفية وعنصرية بحق الأقليات، وخاصةً العلويين والدروز، في أكثر من منطقة. شهدت قرى درزية في الجنوب، وأحياء علوية في الشمال، تهجيرًا ممنهجًا وعمليات قتل وخطف فقط على أساس الانتماء الطائفي، دون أي تمييز بين مؤيد ومعارض للنظام. هذه الانتهاكات كشفت حقيقة صادمة: إن غياب الحماية الذاتية ليس خطرًا يهدد شعباً دون آخر، بل يهدد الجميع دون استثناء، ويجعل من الهوية وحدها سببًا كافيًا للموت. الدروز، الذين اختاروا الحياد أو الحكم الذاتي في أكثر من محطة، لم يمتلكوا أدوات دفاع مجتمعي فعالة، فوجدوا أنفسهم في مرمى نيران النظام تارةً، والمجموعات المتطرفة تارةً أخرى، فيما تعرّض العلويون لمجازر صامتة، تُبرر باسم الثورة، وهي في حقيقتها لا تمت للثورة بأخلاقها بصلة.
في هذا السياق، بدت فلسفة الأمة الديمقراطية، كما طُبّقت في شمال وشرق سوريا، كنموذجٍ بديل لما يمكن أن تكون عليه سوريا المستقبل. مجتمع منظم، لا مركزي، يملك القدرة على حماية نفسه، ليس فقط من الاحتلال أو النظام، بل من الفوضى الداخلية والعنف الطائفي أيضًا. الحماية الذاتية هنا لا تعني السلاح فقط، بل تعني أن كل شعب لديه الحق والقدرة على الدفاع عن ثقافته، لغته، وجوده، وكرامته، من خلال مؤسساته المجتمعية والمدنية والعسكرية. إنها رؤية تنبع من فكرة أن الإنسان الحرّ هو وحده القادر على بناء مجتمع ديمقراطي، وأن لا ديمقراطية دون قدرة على ردع العدوان، أيًّا كان مصدره.
وما يُثبت أهمية هذا النموذج، هو صموده في وجه هجمات داعش من جهة، وهجمات تركيا والمجموعات الموالية لها من جهة أخرى. لقد أثبتت التجربة إن المجتمع المنظم، الذي يملك أدوات دفاع ذاتي، قادر على الوقوف في وجه الجيوش النظامية والمجموعات الإرهابية على حد سواء. لم تكن كوباني مجرد معركة عسكرية، بل كانت إعلانًا بأن الحماية الذاتية ليست فقط ممكنة، بل ضرورية للكرامة والوجود. وفي حين تسقط المدن الأخرى بيد القوى الظلامية أو تُسلَّم من قبل المعارضة إلى النظام، كانت مناطق الإدارة الذاتية تقاوم، وتنظم نفسها، وتبني نموذجًا بديلًا، قائمًا على المساواة بين الشعوب، وعلى مشاركة المرأة، وعلى تفعيل دور المجتمع في كل مفاصل الحياة.
إن التجربة السوريّة، على قسوتها، أثبتت شيئًا أساسيًا: لا وجود آمن لأي شعب دون حماية ذاتية نابعة من المجتمع نفسه. الحماية التي تُفرض من الدولة أو من الخارج غالبًا ما تكون مشروطة، مؤقتة، أو انتقائية، أما الحماية التي تنبع من المجتمع فهي وحدها الكفيلة بردع المجازر، وضمان العيش المشترك، ومنع تكرار الكوارث. لذلك، فإن مستقبل سوريا الحقيقي لا يكمن في العودة إلى المركزية القاتلة، ولا في تقاسم النفوذ بين أطراف دولية، بل في بناء مجتمع ديمقراطي، متماسك، يملك حق الدفاع عن نفسه، ويؤمن أن الكرامة لا تُمنح بل تُنتزع، وأن السلام لا يصنعه الضعفاء، بل من يملكون القدرة على حماية أنفسهم دون أن يتحولوا إلى جلادين.
No Result
View All Result