No Result
View All Result
روشين إبراهيم
مع حلول العام الثاني والعشرين على تأسيس حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، تعود الذاكرة إلى الظروف التاريخية والسياسية التي دفعت إلى ولادة هذا الحزب في أيلول 2003. كان الشعب الكردي في سوريا آنذاك يعيش حالة من التهميش السياسي والحرمان من الحقوق الثقافية والقومية، حيث فُرضت سياسات الإنكار والصهر القومي لعقودٍ طويلة. غياب التنظيم السياسي العلني والقوي جعل الحاجة ماسة إلى إطار يجمع طموحات الكرد في الحرية والديمقراطية، ويكون جزءاً من الحراك السوري العام من أجل التغيير.
منذ تأسيسه، سعى الحزب إلى بناء تنظيم جماهيري واسع، فأنشأ المؤسسات الشعبية واللجان المجتمعية، ليجعل من الشعب ذاته قوة سياسية منظِّمة. لم يكن عمله محصوراً في الجانب القومي فقط، بل طرح مشروعاً ديمقراطياً شاملاً يقوم على مفهوم الأمة الديمقراطية، ويهدف إلى تحقيق المساواة والاعتراف بالهويات المتعددة في سوريا، كخطوةٍ أساسية نحو بناء دولة ديمقراطية لامركزية.
اتسمت سياسة الحزب بالانفتاح والتواصل مع مختلف الأطراف السوريّة، سواء من قوى المعارضة أو المكونات القومية والدينية الأخرى. ورغم ما واجهه من تضييق وقمع من قبل السلطات السورية، حافظ الحزب على خطه السياسي المرتكز إلى الحوار والبحث عن الحلول المشتركة. إقليمياً، كانت علاقاته معقدة بحكم التوازنات الجيوسياسية، لكنه ظل ثابتاً على موقفه الرافض للتبعية لأي طرف، وسعى لبناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل.
ومع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، اتخذ الحزب نهجاً مغايراً لبقية القوى، إذ لم ينخرط في صراعات المحاور الإقليمية أو التحولات المسلحة التي أغرقت البلاد في العنف، بل عمل على حماية المجتمعات المحلية وتنظيمها من خلال تشكيل اللجان الشعبية، التي تطورت لاحقاً إلى وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة. هذا النهج القائم على الدفاع الذاتي وتنظيم المجتمع مكّن مناطق شمال وشرق سوريا من تجنّب الدمار الشامل الذي أصاب العديد من المدن السوريّة. بالتوازي مع ذلك، أطلق الحزب مع حلفائه مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية، الذي قدّم نموذجاً عملياً لإدارة محلية تشاركية تضم مختلف المكونات القومية والدينية، في محاولة لتجسيد بديل ديمقراطي عن الدولة المركزية الاستبدادية.
لعب حزب الاتحاد الديمقراطي دوراً فاعلاً في خدمة القضية الكردية عموماً، حيث اعتبر أن قوة الكرد تكمن في التضامن بين أجزاء كردستان الأربعة. عمل على تعزيز الروابط مع القوى الكردية في جميع مناطق كردستان، وسعى لإبراز القضية الكردية على الساحة الدولية كقضيةٍ ديمقراطية عادلة. كما شكّلت مقاومة روج آفا ضد الإرهاب ونجاح تجربة الإدارة الذاتية مصدر إلهام لبقية الأجزاء الكردستانية، ما جعل الحزب أحد الأعمدة الأساسية في المشروع القومي الديمقراطي للشعب الكردي. وبذلك، لم يكن نضاله محلياً محصوراً بسوريا فقط، بل شكّل جزءاً من المسار الكردي العام نحو الحرية والاعتراف بالحقوق.
عقد الحزب عشرات المؤتمرات في كل ساحات نضاله منذ تأسيسه، شكّل محطات مفصلية في مراجعة سياساته وتطوير برامجه، هذه المؤتمرات لم تقتصر على الداخل السوري فقط، بل امتدت إلى ساحات النضال في أوروبا، حيث شكّلت الجاليات الكردية هناك قوة داعمة ومؤثرة. ناقشت هذه المؤتمرات قضايا متعددة من التنظيم الشعبي، إلى تطوير مشروع الإدارة الذاتية، وصولاً إلى ترسيخ التحالفات الديمقراطية مع القوى الأخرى. كل مؤتمر كان بمثابة تجديد للرؤية السياسية وإعادة صياغة للأدوات النضالية بما يتلاءم مع التحديات الراهنة.
إن مسيرة حزب الاتحاد الديمقراطي خلال العقدين الماضيين تُظهر أنه لم يكن مجرد حزب سياسي تقليدي، بل حركة اجتماعية واسعة حملت معها مشروعاً جديداً لسوريا والمنطقة. ومع دخوله العام الثاني والعشرين، يستمر الحزب في لعب دوراً محورياً سواء في الدفاع عن مكتسبات الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، أو في طرح بدائل سياسية لأزمة البلاد، مستنداً إلى إرث طويل من النضال والتنظيم الشعبي، ونهج واضح يقوم على الديمقراطية، المساواة، وحل القضايا عبر الحوار لا العنف، وخدمة الكرد وقضيتهم العادلة في كل مكان.
No Result
View All Result