No Result
View All Result
حسين عثمان
شهد الشرق الأوسط في العقود الأخيرة تحولات سياسية وعسكرية وأمنية خطيرة، كان من أهم معالمها بروز إسرائيل كجانب مؤثر في القضايا الإقليمية والدولية وحتى المحلية، ليس فقط من الجوانب العسكرية بل على الصعيد الاستخباراتي والسياسي والتكنولوجي الأمني، ومع تعاظم هذا الدور، يتصدر التساؤل: هل أصبحت إسرائيل بيدقًا وضابط الأمن في الشرق الأوسط بمباركات دولية؟ أم أن ضعف السلطات الحاكمة وتصلب ذهنيتها وفساد بعضها في دول الشرق الأوسط هو من فسح لها هذا الدور؟
إسرائيل ضابط أمن إقليمي ودولي
من خلال تدخّلاتها العسكرية المستمرة في سوريا وعملياتها الأمنية في لبنان وغزة، وعلاقاتها المتنامية مع دول الخليج واستهدافها قطر الأخيرة، بدأت إسرائيل تؤدي دورًا يبدو شبيهًا بـ “الشرطي الإقليمي”، الذي يتحرك ضد ما تسميه “التهديدات”، لا سيما إيران وحلفاءها والمجموعات المتطرفة التي تهدد وجودها وتهدد أمن إسرائيل، هذه التحركات غالبًا ما تتم دون رادع فعلي أو حتى تعليق أو تعامل كما تعامل الحروب الباردة، بل أحيانًا بموافقة ضمنية أو صريحة من قوى دولية لها دور في استراتيجية المصالح في الشرق الأوسط القريبة والبعيدة، ولعل أبرز مثال على هذا الدور هو تعاون إسرائيل الأمني مع بعض الدول العربية في مجال تبادل المعلومات، والتكنولوجيا العسكرية، ومراقبة النفوذ الإيراني، وهو ما بات يظهر بشكلٍ علني بعد اتفاقيات “إبراهام” في 2020.
المباركة الدولية والدعم الغربي
لا شك أن إسرائيل تحظى بدعم واسع من الدول الغربية، خاصةً الولايات المتحدة، التي ترى فيها شريكًا موثوقًا في منطقة مضطربة وهذا الدعم يتجاوز الجانب العسكري إلى السياسي والدبلوماسي، حيث غالبًا ما تغض القوى الكبرى الطرف عن الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي، خصوصًا في فلسطين سيما بأن الأرضية التي فتحت المجال لإسرائيل كانت منذ عام 1917 في وعد بلفور واتفاقية مارك سايكس البريطاني وجورج بيكو الفرنسي 1916 وكما يعتبر المجتمع الدولي، بمواقفه الصامتة أحيانًا، أو بتصريحاته الداعمة، يمنح إسرائيل “الغطاء” لتوسيع نفوذها الأمني في المنطقة، وبالتالي، فإن هذا التحول لا يمكن فصله عن مباركات دولية واضحة ومتفق عليها وهذا يأتي ضمن مصالح إسرائيل في حماية الطرق التجارية الخاصة بمصالحها ومنها معبر داوود.
ضعف سلطات دول الشرق الأوسط
لا يمكن تجاهل الذهنيات والعقليات المتفردة السلطوية والذهنيات المتصلبة والمتشبثة بمناصب التحكم والتفرد في القرار والتحجج بالممانعة والمقاومة ووحدة الأراضي، حيث لا يمكن التغافل أن الفراغ الأمني والسياسي الذي خلفته الأزمات المستمرة في دول مثل سوريا، العراق، اليمن، ليبيا، ولبنان، قد جعل المنطقة ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية ولتصفية الحسابات تارةً بدعم أطماع شرقية وأخرى دعم مشاريع غربية وعلى ما يبدو بأن العديد من الدول العربية تعاني من انقسامات داخلية، وحكومات ضعيفة، وغياب المشروع الوطني الجامع، بسبب البعد عن الديمقراطية والتشاركية الحقيقية، وهو ما أفقدها القدرة على حماية سيادتها أو التصدي لاختراقات القوى الإقليمية والدولية، وهذا الضعف البنيوي في المؤسسات الأمنية والسياسية وحتى الإدارية جعل إسرائيل وغيرها تتقدم لملء هذا الفراغ، سواء باسم “محاربة الإرهاب” الذي تمت صناعته بمشاركة براغماتية دولية لتبرير التدخّل كطعم يكتسح رغبة بعض من المجموعات المتطرفة وخصوصاً منها التي دعمتهم ودربتهم الدولة التركية عندما افتتحت المعسكرات والمخيمات وبمشاركة قطرية أو “التصدي للنفوذ الإيراني”، وهذا تقوده الولايات المتحدة الأمريكية والتحالف الدولي أو حتى “حماية الأمن الإقليمي أو القومي” وهذا ما تغني على أنغامه الدولة التركية والأحزاب القومية في الداخل التركي وإسرائيل مؤخراً .
إسرائيل البيدق أم الضابط؟
قد يصف البعض إسرائيل بـ “البيدق” الذي تحركه القوى الكبرى لتنفيذ أجنداتها في الشرق الأوسط، فيما يراها آخرون “ضابط أمن” فعلي، يمتلك القوة والقرار وحب المصلحة لكن في الواقع، الدور الإسرائيلي يمزج بين الحالتين فهي تنفذ مصالحها الاستراتيجية في إطار توافق مع السياسات الغربية، لكنها أيضًا تخدم تلك القوى في تأمين مصالحها في المنطقة، وهذا يؤكد الرغبة الدولية في اختيار إسرائيل كشرطي في الشرق الأوسط.
والجدير ذكره بأن إسرائيل لم تصبح فاعلًا أمنيًا محوريًا في الشرق الأوسط من فراغ أو بدون تنسيق مسبق وخصوصاً بعد انتهاء حكم بايدن واستلام ترامب، بل نتيجة تلاقٍ بين دعم دولي مباشر أو ضمني، وضعف داخلي حاد في دول المنطقة نتيجة الثورات التي أخذت أشكالاً متعددة بسبب التدخّلات، وبينما تتوسع إسرائيل في أدوارها الأمنية رغم المشاحنات مع تركيا ومحاولة رسم نقاط التحذير في سوريا عبر الاستهدافات، و يبقى السؤال الأهم هل يمكن لدول الشرق الأوسط أن تستعيد سيادتها بمعزل عن إرادة إسرائيل، وتبني أنظمة قوية قادرة على حماية أمنها من خلال شعوبها، دون الحاجة لوصاية خارجية وما هي أشكال الحكم التي يمكن أن تكون قادرة على فتح المجال للشعوب في تقرير مصيرها ؟ غالباً ما تتطلب إرادة سياسية، وإصلاحًا داخليًا، واستقلالًا في القرار الإقليمي والدولي، وهي أمور ما تزال بعيدة المنال في كثير من الحالات وهذا يتطلب ديمقراطية الحكم لا مركزية الإدارة وتشاركية المصالح والابتعاد عن سياسات الإقصاء والتهميش والإنكار.
No Result
View All Result