No Result
View All Result
حاوره/ د. عصام شرتح
أكد الشاعر السوري جمعة الكعود، في حوار لصحيفتنا، أن بروز شعراء مجددين في الشعر العربي، أعاد للشعر البعض من مكانته الحقيقية، وأشار، إلى أن الحركة النقدية اليوم تقوم على أسس المجاملات وعلاقات الصداقة، وأوضح، أن وسائل التواصل الافتراضي أنشأت جسراً جديداً بين الشاعر والمتلقي.
ـ دعنا بداية نتحدث عن الحالة التي أصبح عليها الشعر العربي الآن؟
الشعر العربي اليوم استعاد القليل من وهجه المفقود خلال السنوات السابقة؛ لبروز شعراء مجيدين واقترابهم من واقع المتلقي بعيداً عن الطوباوية، والخيال اللذين كانا يسمان المرحلة السابقة على امتداد عقود من الزمن، فكان الغموض سمة من سماته، التي حلقت بالقصيدة إلى جهات غير مألوفة في تاريخ الشعر العربي، وإسدال الستار على شفافية القصيدة وعلى ملامستها المباشرة للموضوع وطرح مفهوم جديد حيث أستطاع الشعراء في العام المنصرم وقبله بقليل فك الارتباط بين الموضوع، والشكل الفني من ناحية وحدة القصيدة فصار الموضوع، هو الذي يفرض شكل القصيدة وطريقة إدارتها لصالح الوعي الجمالي الذي يحبذه المتلقي .
ـ ما مدى مواكبة الحركة النقدية للحركة الشعرية؟
الحركة النقدية قاصرة عن مواكبة الحركة الشعرية وتقوم على المجاملات وعلاقات الصداقة الضيقة باستثناء القلة القليلة من النقاد، الذين أثبتوا حضوراً لافتاً في نقد الشعر والذين مازالوا يواكبون الحركة الشعرية بكل تعقيداتها ويجدون في دراسة الشعر متعة جمالية لا يتذوقونها في الفنون الإبداعية الأخرى، وناقد الشعر اليوم يحمل همّ ابتعاد الشعر عن أولويات القرّاء، فيحاول إعادة الثقة وبناء جسور جديدة لتعزيز مكانته المفقودة وتأهيل الذائقة لصالح تقبّل الشعر الجديد بحساسيته الغير مألوفة، وكذلك دراسة مراحل تطور القصيدة في مسيرة الشاعر وصولاً إلى إيجاد آلية مشتركة بين الشعر ونقده.
ـ هل الشعر في تراجع.. وإن كان كذلك فما المسببات؟
نعم في تراجع، والسبب يعود إلى استسهال كتابته من البعض وكتابة ما يسمى بقصيدة النثر، التي أبعدت بقوانينها وغموضها المتلقي عن تقبّل الشعر، وكذلك الإعلام الثقافي الذي ينهض بمهامه أناس لا علاقة لهم بالشعر، ويحاولون تشويهه عبر التركيز على النماذج السيئة منه، وعلى تصوير قصيدة النثر على أنها المخلص الوحيد للشعر العربي، ووضعها في ألبوم الحداثة المتجدد، متناسين أنها من مخلفات الغرب، بينما العرب هم الآباء الحقيقيون للشعر.
ـ ما رؤية الباحث للمشهد الشعري العربي الراهن؟
-رؤية الباحثين للشعر العربي نسبية تتفاوت من باحث إلى آخر، فالبعض له نظرة تشاؤمية تتجسد بهيمنة الرواية على الشعر، والبعض الآخر مازال يراه ديوان العرب، ولكن برأيي أن الرواية قد تحتل مكان الشعر لبعض الوقت حد الوصول إلى مرحلة الترهل، وفي النهاية لا يصح إلا صحيح الشعر، الذي أرّخ لمراحل هامة من تاريخنا العربي، والذي يلامس العاطفة بشفافية قد تفعلها الرواية بنسبة أقل، والدليل على هيمنة الشعر أن الشعراء الذين يكتبون الرواية يفوزون بالجوائز المخصصة للرواية؛ لأنهم يكتبونها بطريقة شاعرية.
ـ الشعر الجديد (النص التفاعلي -النص المترابط ـ العروض الإلكترونية) ومدى انتشاره وتأثيره على الشعر الحديث؟
الشعر الجديد والشعر الحديث، والشعر ما بعد الحداثة كلها مفاهيم جديدة تدل على مراحل المخاض، التي تمر بها القصيدة العربية، فيظهر المولود أحياناً في حالة جيدة، وأحياناً يتعرض للتشوه بعد ولادته، ومجملها في النهاية تصب في مصلحة القصيدة. وقد مرت القصيدة العربية بحالات نهوض وبحالات نكوص عبر مراحل تطورها، فمنذ العصر الجاهلي وحتى اليوم، والقصيدة تسابق عصرها على أيدي الشعراء الفطاحل، ولكنها في أواخر القرن العشرين وبدايات الألفية الجديدة، لبست القصيدة أثواباً كان البعض منها على مقاسها، والبعض الآخر لم يكن كذلك، وبالمجمل فالقصيدة الحديثة كانت الأقرب إلى ذهنية المتلقي فعكست هواجسه وهمومه.
ـ إلى أي مدى أصبح للشعر وجود فعلي في حياتنا وفي قضايانا الإنسانية بصفة عامة؟
لقد أنشأت قنوات التواصل الافتراضي جسراً جديداً بين الشاعر والمتلقي بعد قطيعة، وأصبح الهمّ الإنساني موضوعاً مشتركاً بين الطرفين، لاسيما وأن الظروف العسيرة تعصف بالمنطقة العربية، وأصبح الشعر الملاذ لترسيخه في وجدان الإنسان العربي المعاصر، وباتت عملية البحث أسهل من ذي قبل عن الموضوع الشعري، الذي يرغب به المتلقي حيث يصب الشعراء جام شعرهم في مواقع التواصل بعد تشذيب الشكل والقالب لتصل بطريقة لائقة، ومحببة تضفي نوعاً من القبول على نتاجاتهم. ولمواقع التواصل دور آخر، فهو يوفر للقارئ تكاليف المطبوعات الورقية، وتحتفظ بها المواقع لفترات طويلة وتمنح حرية الاختيار دون مواربة.
ـ ما القضايا التي يركز عليها المشهد الشعري العربي في لحظته الراهنة؟
الموضوعات التي تركز عليها القصيدة المعاصرة هي الضياع والتشتت، اللذان يعصفان بالعرب، وكذلك تناول ظواهر النزوح واللجوء والحرب، وتراجع مكانة الإنسان العربي نتيجة تشرذمه وتآمره على أخيه، وانقطاع صلات الرحم، وفي جوانب أخرى ومن موضوعات القصيدة الهروب من واقع أثخنته الأزمات إلى متنفس آخر هو الغزل، والبحث عن الدفء المفقود، وعن ملاذ آمن للقصيدة بعد تشردها، ولأن الأحداث الراهنة أكبر من القصيدة، حيث لم تستطع هذه الأخيرة تحمّلها فحين يصبح موضوع القصيدة أكبر منها تنتج حالة من البحث عن مواضيع أقل جسامة لا تفقد القصيدة المعاصرة الكثير من رونقها حين تناولها.
ـ هل نجح الشعراء في استيعاب القضايا العامة التي تعيشها الأمة العربية؟
لقد نجح الشعراء إلى حد ما في ذلك، ويبقى النجاح أسير عوامل خاصة بالمبدع، وكذلك تبقى القضايا متفاوتة فمنها ما يراه المبدع هاماً لا يمكن النزول عنه، ومنها ما يراه سلبياً لا يضيف إلى مصلحة الأمة شيئا، بل يكون عاملاً مسبباً للأزمات وأغلب الشعراء كانوا الضمير الحي المعبّر عن قضايا الأمة، ونجح الكثير منهم في ذلك.
ـ ما أكثر الاتجاهات الشعرية التي يفضلها المتلقي؟
أكثر الاتجاهات الشعرية التي يفضلها المتلقي العام والخاص الموضوعات السياسية، التي تنتقد السلبيات، التي أوصلتهم إلى هذا الواقع المتردي، والتي يحاول الرقيب منعها من الوصول إلى المتلقي، وكذلك الاتجاهات التي تتناول ما أنتجته الحروب من تشريد وتهجير في ظل المؤامرات.
ـ ما الأسباب التي دفعت بعض الشعراء إلى الاتجاه نحو السرد؟
الأسباب التي دفعت الشعراء إلى الرواية حصراً، هي الجوائز العربية الكبيرة المخصصة للرواية، والسبب الثاني المساحة الكبيرة التي تتيحها كتابة الرواية للشاعر بالتعبير عن هواجسه ومكنوناته، التي أصبحت القصيدة عاجزة عن تناولها وكما أسلفت فالشعراء غالباً ما يفوزون بتلك الجوائز لأنهم يكتبونها بلغة شعرية، لا يمتلكها الروائي البعيد عن الشعر.
ـ أين يقع الشعر بين الفنون السردية نقدا ومتابعة؟
الشعر العربي كغيره من الفنون الإبداعية الأخرى له متابعوه ومريدوه، وإن كان بنسبة أقل مقارنة ببعضها وبنسبة أكبر مقارنة بالبعض الآخر، فالشعر بتعدده ورمزيته يتفوق على الكثير من الفنون الإبداعية الأخرى، كالقصة القصيرة ويقل تفوقه بمساحاته الضيقة لصالح الرواية، التي تتناول مراحل زمنية وشخوصاً كثيرين مع متابعة تسلسل الأحداث. وبالمجمل فالشعر يمتلك خاصية لا يمتلكها أي فن إبداعي آخر.
ـ هل تأخرت مكانة الشعر وتقدمت عليه فنون أخرى؟ وما أسباب ذلك؟
الشعر بقي محافظاً على مكانته في قلوب عشاقه، وإن تأثر إعلامياً نتيجة الحروب، التي شُنت عليه فالشعر أرخ لمراحل هامة من تاريخنا العربي، وبقي المجال الذي تجسد فيه الأمة العربية عبقريتها. والشعر كائن جميل يستوطن القلوب المبدعة ويحرض العقول المتطلعة إلى الجمال لصياغة كل ما يعبّر عن الشعور الإنساني الراقي، والشعر كينونة الروح، وموقد شعلتها التي لا تخبو، وظلت مكانته تدغدغ مشاعر المحبين رغم هيمنة فنون إبداعية أخرى.
ـ ما أثر الفنون الأخرى على الشعر فنيا (التعالق، والتناص والتداخل النصي)؟
لتطور الشعر والترجمات، التي أثرت فيه فقد ظهرت مفاهيم جديدة؛ أحدثت انقلابات في مسيرة القصيدة العربية اعتباراً من المفردات، وانتهاءً بالصور المحدثة المواكبة للعصر الراهن بكل تجلياته. والترجمة كما يؤكد الكثيرون هي خيانة للشعر رغم إفساحها المجال للاطلاع على التجارب الشعرية. ومن المفاهيم الجديدة الأخرى الانزياحات اللغوية، التي ترتكبها القصيدة المعاصرة بحرفية لا نظير لها، وكذلك الالتفاف على النص الشعري من جهة الموضوع والتعبير عنه بصياغة أخرى تختلف عن الرمزية.
No Result
View All Result