No Result
View All Result
روناهي/ دير الزور – في كل صباح، وقبل أن يرتسم خيط الشمس الأول في سماء بلدة هجين، تكون “تركية عبد اللطيف” قد بدأت يومها. ليس روتيناً عادياً، بل في رحلة عطاء متواصلة، في قلب عالم تربية المواشي ورعي الأغنام، حيث تصنع من العمل الشاق والإصرار قصة ملهمة عن قوة المرأة ودورها في المجتمع.
وتستيقظ “تركية عبد اللطيف” في الخامسة فجراً، فتستقبلها دُرة ممتلكاتها من الأبقار والأغنام. هنا، لا مجال للكسل أو التراخي. تبدأ بتقديم الطعام لمواشيها، تلك الكائنات التي تعتمد عليها في رزقها، ثم تنتقل بعناية وحب إلى مهمة الحلب، حيث تتدفق نعم الحليب الذي يعد شريان حياتها وحياة أسرتها.
مصدر رزق واكتفاء ذاتي
“كل يوم هو قصة جديدة، وقبل كل شيء مسؤولية كبيرة”، تقول تركية بابتسامة تضيء وجهها، والتي تحمل آثار شمس الصباح: “أُخرِج المواشي من الحظيرة، وأطعمها، ثم أقوم بربطها، لحلّبها”.
بعد عملية الحلب، لا ينتهي عمل تركية. بل يبدأ فصل جديد من إبداعاتها. الحليب الذي تجمعه ليس مشروباً فقط، بل مادة خام تتحول بين يديها منتجات قيّمة: “نأخذ الحليب إلى فرازة الحليب لنستخلص منه الزبدة، ثم نقوم بتذويبها لنحصل على السمنة النقية. هذه هي بركة خير الله، وهي مصدر رزقنا الرئيسي”.
هذه المنتجات، هي ما تسعى تركية لبيعه في الأسواق: “نبيع ما نجني لنشتري به طعام المواشي، ولتغطية مصاريف المنزل. إنّها دورة حياة متكاملة، تبدأ من الأرض وتنتهي على موائد الناس، وأنا فخورة بأنني جزء من هذه الدورة”.
تتحدث تركية عن عملها هذا بفخر كبير، فهي لم تكتسب هذه المهنة من شهادات أكاديمية، بل من تربيتها العميقة في هذا المجال: “لم أحصل على شهادة جامعية، لكنني تعلمت هذه المهنة من أمي وجدتي، لقد تربينا على رؤيتهن وهن يمارسن العمل نفسه، يتوارثن الأسرار والمهارات. هذا هو علمنا، وهذه هي قوتنا”.
عطاء كثير بأيدي امرأة
توضح تركية، أنّ دورها كامرأة في هذا العمل ليس مساعدا فقط، بل هو دور قيادي وجوهري: “أنا لا أساعد زوجي فحسب، بل أساندُه في كل شيء. العمل في تربية المواشي يتطلب جهداً بدنياً وذهنياً كبيراً، وأنا أتحمل مسؤولياتي كاملة، زوجي يتولى عملية بيع المنتجات، ولكن في كواليس الإنتاج، أنا شريك أساسي”.
واختتمت تركية عبد اللطيف حديثها: “المرأة قادرة على أن تكون ربة منزل ناجحة، وقادرة على أن تكون سنداً لزوجها في مختلف جوانب الحياة. فالقدرة ليست حكراً على جنس دون آخر، بل هي في الإرادة والعزيمة. أنا أرى أنني أساهم في بناء أسرتي واقتصادنا المحلي، وهذا يجعلني أشعر بالفخر والرضا”.
في قصة تركية عبد اللطيف، تتجسد قيم العمل الجاد، والأصالة، وقوة الإرادة، ودور المرأة المحوري في بناء المجتمع. إنّها ليست مجرد راعية أغنام أو مربية أبقار، بل هي رائدة أعمال في عالمها الخاص، وملهمة للكثيرين بأنّ العزيمة والمعرفة المتوارثة يمكن أن يصنعا المستحيل، وأنّ المرأة، بما تحمله من قوة وعطاء، هي بحق شمس الصباح التي تنير دروب الحياة.
No Result
View All Result