No Result
View All Result
د. شفيق عامر
لقد أراد الغرب من تسليم السلطة في سوريا لهيئة تحرير الشام أن يقدّم للعالم صورةً حيّة عن أقصى درجات التطرّف والدموية الكامنة في فكر الإسلام السياسي بمختلف تياراته: من الإخوان المسلمين إلى داعش والوهابية وغيرهم، وذلك لإثبات إنّ هذه المشاريع ليست سوى وجه آخر للإرهاب والتكفير والعداء للإنسانية. وهكذا، وبدون أدنى شك، انكشفت بشاعة هذا الفكر حين تُرجم عمليًا إلى سلوك دموي يدعو إلى قتل المخالفين واستباحة كل شيء تحت شعارات دينية.
لكن ما جرى لم يكن مجرد صراع عابر؛ بل كان كاشفًا لحقائق دفينة، فالذي حدث أخرج إلى السطح المارد الطائفي المتوحّش الكامن في النفوس، ذاك الذي لم نكن نراه في كثير من الأصدقاء والشركاء الذين تقاسمنا معهم تفاصيل الحياة يومًا ما. فجأة ظهرت في داخلهم وحوش طائفية مسعورة، تحمل فكر التكفير وتدعو إلى الإلغاء والقتل، وكأنها كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتخلع القناع.
هذا الواقع المخيف بل المرعب يحمل وجهين:
الوجه السلبي يتمثل في حجم الإجرام والدمار الذي خلّفه هذا الفكر: قتل البشر، هدم الحجر، إحراق الأخضر واليابس، وتمزيق النسيج الاجتماعي. أما الوجه الإيجابي فهو أن هذه التجربة العاصفة كشفت المستور، وأسقطت الأقنعة، وأظهرت أن التعايش مع هذه العقليات مستحيل، وأنها لا تمثل مستقبلًا لأي وطن أو إنسانية.
ومن هنا يمكن القول إن ما نعيشه ليس نهاية، بل بداية لمرحلة جديدة. مرحلة تفرض إعادة ترتيب شاملة لمفاهيم المنطقة برمتها، وبناء عقد اجتماعي جديد يقوم على:
سيادة القانون بدلًا من منطق الغابة.
فصل الدين عن الدولة باعتباره شرطًا أساسيًا لأي تقدم حقيقي.
ترسيخ قيم المواطنة والمساواة بين البشر بعيدًا عن الهويات الطائفية الضيقة.
إعادة الاعتبار للإنسان كغاية وهدف، لا كأداة بيد السلطة أو رجال الدين.
إنها مرحلة مؤلمة نعم، لكنها ضرورية لتطهير الوعي الجمعي من الوهم الديني المسيّس، ولرسم طريق جديد نحو مستقبل تحكمه الحرية والعدالة والعقلانية.
No Result
View All Result