No Result
View All Result
لورنس الشعير
في فلاة الجزيرة السورية، حيث تمتد الأرض مثل بحرٍ بلا شطآن، وتلوح بيوت الشعر منصوبة على مدّ النظر، عاش شيخٌ كبير تقدّم به العمر، ولم يبقَ له من الدنيا إلا ذكر حسن بين الناس وزوجة عجوز تشاركه صبره. كان اسمه أبو فارس، رجل لا يُذكر في المجالس إلا مقرونًا بالكرم والوفاء، وإن كان الزمن قد قسا عليه، وسلبه المال والماشية.
كان أبو فارس يجلس في ليلةٍ مقمرة عند بيت الشعر، يرقب نارًا ضعيفة أوقدها من أعواد يابسة. الليل ساكن، لا يُسمع فيه إلا نباح بعيد وصوت الريح تداعب أطراف الخيمة. في داخله كان يحدث نفسه: “يا أبو فارس، مضت أيام الخير، وصرنا على القليل نصبر، ولكن الحمد لله على العافية والستر”.
وبينما هو كذلك، إذا بأصوات خيول تقترب. رجال غرباء أقبلوا من جهة الوادي، سلّموا بصوتٍ عالٍ:
– السلام عليكم يا أهل البيت.
ردّ الشيخ وهو ينهض مستبشرًا:
– وعليكم السلام ورحمة الله، حيّ الله الضيوف، حيّ الله من جانا.
أنزلوا خيولهم وربطوها، وجلسوا قريبًا من النار. وكانوا ثلاثة رجال، عليهم آثار السفر والتعب. ابتسم أبو فارس رغم تعبه، وقال:
– البيت بيتكم، واللي فيه لكم.
لكن قلبه كان يعتصر حرجًا، إذ لم يكن في بيته إلا رغيف يابس وجَرّة لبن. دخل إلى زوجته العجوز وهمس لها:
– يا أم فارس، جونا ضيوف من سفر بعيد، وش تعشينهم، وإحنا ما عندنا إلا هذا الرغيف والجرة من اللبن؟
تنهدت العجوز وقالت:
– يا رجل، الرغيف نُكسّره على عددهم، واللبن نقسمه بينهم، والله هو الرزّاق.
أومأ الشيخ برأسه وقال:
– صدقتِ، الكرم مو بكثرة العطايا، الكرم بصفا النية.
خرج الشيخ يحمل الرغيف والجرّة، وضعهما أمام الضيوف وقال معتذرًا:
– سامحونا يا ضيوف، ما عندنا إلا القليل، لكن والله قلوبنا عامرة بكم، والدار تزداد نور بوجودكم.
ابتسم الضيوف، وأخذوا يأكلون مما قُدّم. كانوا جائعين حقًا، لكنهم شعروا بشيء أغلى من الطعام: صدق الرجل ونقاء قلبه. فقال أكبرهم وهو يمسح فمه:
– يا شيخ، والله إننا ما شبعنا من الطعام، لكن شبعنا من طيب نفسك وكرم وجهك.
ضحك أبو فارس وقال:
– الحمد لله، ما يرفع راس الرجال إلا أن يكرم ضيفه بما استطاع.
جلسوا بعدها يتحدثون عن السفر، عن الطرق والقبائل التي مرّوا بها. وأخذ الشيخ يسامرهم كأن قلبه نسي الفقر والتعب. كان يتحدث عن أيامه الماضية، حين كان لديه إبل وخيل ويذبح الذبائح للضيوف بلا حساب. ثم أردف قائلاً:
– لكن يا ربع، الكريم ما ينقص كرمُه بفقره، واللي قلبه عامر بالعطاء يظل يعطي ولو بكسرة خبز.
في تلك الليلة، نام الضيوف قريري العين، وقد شعروا أنهم في بيت رجلٍ كريم حقًا، لا في بيت فقير معدم. أما الشيخ العجوز فجلس قليلًا يتأمل النجوم، يحدّث نفسه:
“الحمد لله الذي جعل لي ذكرًا بين الناس بالكرم، فما الفقر إلا حال يزول، لكن سمعة الرجل تظل باقية”.
وفي الصباح الباكر، شكر الضيوف الشيخ وزوجته، وامتطوا خيولهم راحلين. لكن قبل أن يغادروا، قال أحدهم:
– يا شيخ، والله لن ننسى صنيعك ما حيينا. تعلمنا الليلة أن الكرم ما هو كثرة، الكرم روح طيبة ونية صافية.
هز الشيخ رأسه مبتسمًا وقال:
– الله يوصيكم يا أولادي، اللي ما يحفظ وجه الضيف، ما له قدر عند الله ولا عند الناس.
ورحلوا، تاركين وراءهم قصة صارت تُروى في المجالس: قصة العجوز والضيوف. ومنذ ذلك اليوم، صار الناس إذا ذكروا الكرم وقت الفقر يقولون:
“الكرم ما هو بالوفرة، الكرم بصفا النية وصدق المقصد”.
ختاماً
الكرم ليس في وفرة المال أو كثرة الطعام، بل في نقاء القلب وصدق النية. الفقير الكريم أعظم قدرًا من الغني البخيل، وما يرفع شأن الرجل إلا أن يحفظ حق ضيفه بما استطاع.
No Result
View All Result