وراء كل شهيد، قصة أم جعل من قلبها جرحاً لا يندمل ففي أرضٍ بعيدة، في لبنان، عاشت أمٌ سنوات وهي تنتظر عودة ولدها “حسن” ذلك الفتى العفريني الذي حمل قلبه على كفه، وانتقل من أرض الأرز ليدافع عن قضية آمن بها في روج آفا، كانت تنتظر اللحظة التي تعانقه فيها بعد غياب طال، تتلمس وجهه بيديها، وتطعمه من يدها كما في الماضي.
لكن القدر كان يخبئ لها لقاءً من نوع آخر، اللحظة التي انتظرتها سنين لم تكن كما حلمت، لم تلتقِ بولدها الحي الباسل، بل وقفت أمام جثمانه الشاهد، ملطخاً بدماء الشهادة، راقداً في نومه العميق الأبدي، انهار عالمها، ألمسته يداها المرتعشتان، لكنها لمست برودة الموت بدلاً من دفء حضنها، انحنت على جسده الطاهر، تُنادي باسمه بلهفة أم لم تر ولدها لسنين: “حسن.. قم يا ولدي.. لمَنْ ربّيتُ هذا الطول الذي يشق السحاب؟”.
تبكي وتنوح وتنادي: “حسن.. حسن..” لكن الصدى فقط من يجيب، هو راقد في نومه العميق، محاطاً بهالة من الشرف، لقد غسل دمه الطاهر كل جراحها، لكنه ترك في قلبها حفرة لن تمتلئ أبداً..
والآن، بعد ثلاث سنوات، لم يزل شوقها يحرق فؤادها، في ذكرى استشهاده، نتصل بها عبر الشاشة الصغيرة، فنراها عبر “الواتساب” تغني وتبكي بحرقة، تتذكر طفلاً صغيراً كانت تضمه إلى صدرها وتغني له، والآن ها هي تغني له على قبره البعيد، تنظر إلينا عبر الكاميرا وتطلب بدموع غزيرة: “قبّلوا جبينه نيابة عن شفتيّ المحترقتين.. المسوا وجهه الكريم لعلّه يحسّ بلمسة أمه..”.
في النهاية، تقف وحيدة في غرفتها في لبنان، تحمل صورته وتهمس: “الناس يقولون ‘دفنّاه’.. وأنا أقول: ‘دفنتُ شمسي في الأرض.. فكيف تُشرق الدنيا بعدك؟'”.
هكذا هم الشهداء.. يرحلون بأجسادهم لكن أرواحهم تظل تحيط بنا، وهم يخلدون في قلب أمهاتهم أولاً، ثم في قلب كل حر شريف.
منلبنانإلىكوباني: دمعالأميرويطريقالشهادة
بدأت رحلة حسن في المعارك الطاحنة، حيث الرصاص يصفر والموت يحصد الأرواح، كان يقاتل بشجاعة نادرة، وكأنه يعلم أن حياته قصيدة ستنتهي ببيتٍ من الذهب، بعد سنوات من القتال، انتقل إلى منبج ليلتحق بقوى الأمن، حامياً للمدينة وأهلها من براثن الخوف، ثم انتقل إلى هندسة الألغام، حيث كان يقف على حافة الموت كل يوم، يُفكك ألغاماً قد تنهي حياته في لمحة بصر، كان قائداً بشهادة كل من عرفه، يقود فريقه بحكمة وشجاعة.
ثم انتقل إلى جهاز الأمن العام ضمن قوى الأمن الداخلي، ليستمر في خدمة قضيته حتى آخر نفس، لكن القدر كان يخبئ له لقاءه مع الشهادة، في صباح الثالث عشر من أيلول 2022، استشهد وهو يؤدي واجبه، تاركاً خلفه جرحاً لا يندمل في قلوب من عرفوه.
عندما وصل النبأ إلى أمه في لبنان، لم تتردد.. قطعت الحدود بقلبٍ مكسور، لتأتي تحتضن جثمان ابنها البطل للمرة الأخيرة، وقفت أمام جسده الطاهر، تغني له مواويل من قلبٍ ممزق:
هذا هو صدى أغنية الأم الثكلى.. كلماتٌ منقوعة بدموع الأرض كلها
في مزار “دجلة” حيث تُنثر أسماء الشهداء على حجارة القبور،
تقف أمّك يا حسن كشجرةٍ اقتُلعت من جذورها.
تحمل من لبنانَ وروداً حمراء كقلبها المذبوح،
تغرسها عند قدميّ قبرك..
كأنها تُرسم خريطةً بالزهر بين وطنين:
“هذه الوردة من تربة بيتك.. يا ولدي،
لتُعطر ترابك الغريب”.
ثم تنحني كغصنٍ مكسور،
تلصق خدّها بالرخام البارد،
وتبدأ أغنية الموتى التي تُذيب الصخر:
“يا حسن..
لمن أنجبتُ هذا الطولَ الذي يشقّ السحاب؟
لمن ربّيتُ هذا الوجهَ الذي يُضيء الظلام؟
أيُدفن تحت التراب قمرٌ مثلك؟
أيُغطى بالغبار ضحكٌ كان يملأ الدار نوراً؟
قُمْ..
قُمْ وامسح دموع أمك..
ألم تعدني أنك سندي عند الكِبَر؟
خذني معك حيث أنت..
فما عاد في الأرض غير ظلّك..
وما بقي في قلبي سوى صرخة: حَسَنَاه!”
واليوم، بعد ثلاث سنوات من رحيله، ما زال الجرح نازفا، في ذكرى استشهاده، نتصل بأمه عبر واتساب، فنراها عبر الشاشة الصغيرة، تغني وتبكي بحرقة:
نسمع عبر الشاشة صوتها يهتزّ كورقةٍ في إعصار:
“قبِّلوا جبينه نيابة عن شفتيّ المحترقتين..
المسوا وجهه الكريم لعلّه يحسّ بلمسة أمه..”
فنحنُ يا حسن
نقف حول قبرك كشموعٍ تنطفئ،
نُقبّل الرخام الذي يخبئ جسدك،
ونحاول أن نلمس جمالك المدفون تحت الصخور..
لكن أصابعنا لا تجد سوى البرودة.
في تلك اللحظة، يُصبح الفيديو نافذةً على جحيم الحنين.. نرى عبره أمّاً تكاد الروح تخرج من عينيها،
تُغنّي “مواويل الثكلى” كأنها تُناجي السماء:
“يا دفين الأرض..
هل تسمع نوحي؟
التراب الذي فوقك..
هو من دموعي خَلَقَ أنهاره..
فإذا غمرتك المياه يوماً..
اعلم أنها دمعتي”
والآن..
حين تكبر الورود التي غرستها أمك على قبرك،
تصير حديقةً صغيرةً تُحيط باسمك
في الليالي المقمرة،
أراها تتمايل كأنها تُحاكي ضحكتك.
وأسمع همس الأم وهي تنام على وسادةٍ من دمع:
“الناس يقولون: ‘دفنّاه’..
وأنا أقول: ‘دفنتُ شمسي في الأرض..
فكيف تُشرق الدنيا بعدك؟'”
لكن في عمق هذا الوجع..
ثمّة حقيقةٌ تُضيء كنجمة:
الشهيد لا يموت..
إنه فقط ينتقل إلى ذاكرة السماء.
يوم القيامة،
ستأخذ أمك بيدك قائلةً:
“انظر يا حسن..
لقد جئتك بالورود من جديد”.
“يا حسن.. لم أنجبك للقبر والتراب..
هذا الجمال ليس للقبر.. هذه العينين التي كانتا تضيئان الدنيا..
هذه الضحكة التي كانت تملأ البيت فرحاً..
كيف تستسلم للموت؟
قم يا ولدي.. انظر إلى أمك التي تنتظرك..
لقد وعدتني أن تكون سندي في الكبر..
لماذا تركتني وحيدة؟
تعال.. خذني معك.. فقد اشتقت لصوتك.. لضحكتك..
لقلبك الكبير الذي كان يحمل كل الناس بحب”
يا حسن..
لو تعلم كيف أشتاق إليك..
أتذكر وأنت طفلٌ صغير..
كيف كنتُ أضمك إلى صدري وأغني لك..
والآن.. ها أنا أغني لك على قبرك..
لماذا لم تحفظ لي وجهك الجميل حتى ألقاك في الجنة؟ لماذا لم تترك لي شيئاً أذكره به غير الصور والدموع؟
وهي تنظر إلينا عبر الكاميرا، تطلب منا أن نقبل جبينه نيابة عنها.. أن نلمس تراب قبره كأننا نلمس وجهه.. كأنها تريد أن تشعر بحرارة وجوده من خلالنا.
وفي النهاية، تقف وحيدة في غرفتها في لبنان، تحمل صورة له وتهمس: اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة.
هكذا كان حسن.. بطلٌ استشهد في سبيل قضيته، وأمٌ أصبحت رمزاً للصبر والوفاء، قد يكون جسده تحت التراب، لكن قصته ستظل حية فينا، في كل ورقة تتحرك، وفي كل نسمة هواء تمر على قبره في مزار الشهيدة دجلة في كوباني.