No Result
View All Result
بقلم دجوار أحمد آغا
المقدمة
عندما تعجز الحكومات عن ضبط الأوضاع وترى بأن الأمور في طريقها الى الخروج عن سيطرتها، تقوم بإعادة “ضبط المصنع” من خلال القيام بضربة عسكرية أو ما يُعرف (انقلاب عسكري). وهذا الأمر يتم بالتنسيق فيما بين السلطة الحاكمة ومن يدعمها في الخارج أو بالأحرى من وضعها على رأس السلطة في البلاد، هذا الأمر منتشر بشكل كبير في بلدان (العالم الثالث) أو ما كانت دول الهيمنة العالمية تستخدمها كمستعمرات لها وتقوم بنهب خيراتها وتستعبد شعوبها وتستخدمهم لخدمة مصالحها.
الحكومات في بلدان العالم الثالث، في معظمها تم تعيينها من جانب الدول التي كانت تحتل وتستعمر هذه البلدان بحيث أعطت بلدانها استقلال شكلي بينما بقيت مقدراتها الاقتصادية مرتهنة لدول الهيمنة العالمية من خلال الحكومات العميلة التي قامت بنصبها على سدة الحكم. في الظاهر تدّعي هذه الحكومات بالوطنية والاستقلال ومقاومة الاستعمار والى ما هناك من شعارات براقة، لكن في حقيقة الأمر تقوم بتنفيذ كل ما يُطلب منها بحذافيره فقط من أجل الحفاظ على كرسيها. الجيوش التي تقوم بأنشائها وتشكيلها تكون مهمتها الأساسية والرئيسية هي حماية نظام الحكم والسلطة وليس الشعب والبلاد. في هذا المقال سوف نتطرق الى الضربة العسكرية التي نفذها الجيش التركي بتاريخ 12 أيلول 1980 من أجل استعادة السيطرة على الحكم بعد أن بدأت بوادر المقاومة والكفاح الشعبي تظهر للعيان خاصة مع تأسيس حركة حرية كردستان.
الوضع السياسي قبل الضربة
شهدت تركيا مثل غيرها من دول الشرق الأوسط هلال حقبة السبعينيات، مد ثوري وظهور قوى يسارية مختلفة دفعت بالمشهد السياسي الى نوع من الفوضوية وبالتالي سمحت بوجود هامش ديمقراطي خاصة بعد حملة الإعدامات التي قامت بها الفاشية التركية في بداية السبعينيات بحق قادة اليسار الثوري التركي أمثال دنيز كزميش، ماهر جايان، حسين اينان، وغيرهم، الأمر الذي أدى الى احتقان جماهيري وخاصة لدى الفئة الشبابية وظهور الغضب الثوري الأمر الذي دفع بالفاشية التركية الى الدفع بالعناصر الأكثر تطرفاً والأشد عنصرية الى الواجهة السياسية حيث جاء سليمان ديميريل رئيس حزب العدالة المحافظ واليميني عام 1975 الى الحكم خلفاُ لزعيم الشعب الجمهوري اليساري نوعاً ما بولنت أجاويد وتحالف ديميريل مع حزب إسلامي بزعامة نجم الدين اربكان والحركة القومية الفاشية بزعامة ألب رسلان توركيش الأشد فاشية وحقداً على الكرد بشكل خاص. لم يستمر التحالف طويلاً في الحكم إذ سرعان ما عاد أجاويد عام 1978 الى الحكم لكنه ايضاً لم يستمر سوى بضعة شهور عاد بعدها ديميريل مرة أخرى.
المذابح والمجازر قُبيل الضربة
مع عودة ديميريل وفريقه المتحالف الى الحكم، بدأت منظمة “الذئاب الرمادية” الفاشية والتي يروج لها على أنها منظمة شبابية تابعة للحركة القومية التركية لكنها في حقيقة الأمر منظمة إرهابية هدفها القيام بالمجازر والاغتيالات على أن تُسجل لدى الدولة تحت بند “وقُيدّت ضد مجهول”. وبالفعل بدأت المجازر تُرتكب في مختلف المناطق وربما أبرز هذه المجازر تلك التي جرت ضد الشباب اليساري الثوري في الأول من أيار يوم العمال العالمي خلال احتفالهم في ميدان تقسيم بوسط إسطنبول عام 1977 ومجزرة مرعش 1987 والتي ارتكبتها عصابة الذئاب الرمادية ضد أبناء الطائفة العلوية تجديداً والذين تسميهم السلطات التركية “قزل باش” أي أصحاب القبعة الحمراء. وقد تم اعلان الاحكام العرفية في العديد من الولايات التركية بعد هذه المجزرة خاصة منطقة باكور كردستان المحتلة من جانب تركيا. كانت هذه المجازر والمذابح تهيئة مناسبة للقيام بضربة عسكرية تحت حجة عدم قدرة الحكومة على السيطرة وفرض الأمن والاستقرار.
الضربة العسكرية 12 أيلول 1980
تهيأت الظروف الداخلية، والظروف الخارجية كان قد تم تهيئتها مسبقاً، لذا تم تحديد موعد القيام بالضربة في 12 أيلول حيث اجتمع قبلها رئيس هيئة الأركان العامة الفريق أول كنعان ايفرين مع الأربعة الكبار وهم كلاً من (الجنرال نور الدين أرسين قائد القوات البرية، الجنرال تحسين شاهين كايا قائد القوات الجوية، الأدميرال نجاة تومر قائد القوات البحرية، الجنرال سادات جلاسون القائد العام لقوات الدرك).صبيحة يوم 12 أيلول 1980 ظهر ايفرين على شاشة TRT القناة الرسمية للدولة معلناً الانقلاب العسكري على حكومة سليمان ديميريل. تم اعلان الاحكام العرفية في جميع أنحاء البلاد وإلغاء العمل بالدستور، حل البرلمان، وتشكيل مجلس مصغّر “مجلس الأمن القومي” يضم الخمسة الكبار يُدير البلاد. أغلقوا الأحزاب السياسية وفرضوا حظر سياسي ونفوا العديد من الشخصيات السياسية، لكن الأهم بالنسبة لهم كان الوقوف في وجه تصاعد المد الثوري الكردي خاصة بعد تأسيس حزب العمال الكردستاني PKK في 27 تشرين الثاني 1978 وانتشار فكره بين الشعب مثل النار في الهشيم.
الجرائم والتعذيب الممنهج
قلّ ما يُشاهد الإنسان فظاعة ووحشية ملثما فعل أصحاب الصربة العسكرية في 12 أيلول. حولوا تركيا الى سجن كبير تُخيّم عليه غيمة سوداء قاتمة. امتلأت السجون والمعتقلات ولم يعد هناك مكان، فتم الايعاز باستخدام المدارس كزنزانات. لعل أكثر سوداوية وهمجية ما كان يجري في سجن آمد (ديار بكر) العسكري الذي تجاوز كل التوقعات والتخيلات. فمن كان يدير السجن هناك كان يتلذذ بتعذيب السجناء والمعتقلين خاصة من كوادر حزب العمال الكردستاني الأمر الذي دفع فهؤلاء القادة الى القيام بإضراب الموت أو الصيام الكبير في مواجهة السياسة البشعة والتعذيب الغير انساني خاصة من جانب آمر السجن أسعد أوكتاي. من خلال هذه المقاومة استطاع المناضلون كسر شوكة الطغاة وفرض شروطهم عليهم من تحسين ظروف السجن والسماح للعوائل والمحامين بزيارتهم. الكثير من الإعدامات الميدانية والقتل والمجازر الجماعية التي حدثت خلال فترة الانقلاب بالإضافة الى سجن عشرات الآلاف من الناس وفصل مئات الآلاف من الوظائف والدوائر الحكومية وغيرها.
الدور الأمريكي الحاسم
بالتأكيد؛ لولا الدعم المباشر واللامحدود من جانب الولايات المتحدة الأمريكية لقادة الانقلاب في تركيا، لما كان بالإمكان النجاح بهذه السهولة وارتكاب تلك الفظائع والاهوال. تركيا كانت الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة وعضو في حلف الناتو وعلى حدود الاتحاد السوفيتي الجنوبية مباشرة وفيها الكثير من قواعد الحلف والقواعد الأمريكية التحسسية، لذا كان لا بد من بقاء السلطة في تركيا بيد حلفاء. وعلى هذا الأساس ووفق وثائق رسمية صادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية والتي تم رفع السرية عنها مؤخراً بناء على طلب مقدم بموجب قانون “حرية المعلومات” الصادر عام 2011 فقد أبلغ مسؤول الاستخبارات المركزية الامريكية CIA في تركيا وقتها “بول هينز” رئيس الولايات المتحدة الامريكية حينها جيمي كارتر 1924 / 2024 بنجاح العملية الانقلابية في تركيا بالقول (لقد فعلها أولادنا) حتى قبل أن تُعلن عنها تركيا رسمياً.
نتائجها وتداعياتها على دول الجوار
لم تتأثر تركيا لوحدها بهذه الضربة، بل امتدت تأثيراتها وتداعياتها على الدول المجاورة لتركيا (اليونان، قبرص، سوريا، العراق، إيران، أرمينيا) حيث أظهر الانقلابين وجه الفاشية التركية الحقيقي عبر تدخلاتهم في الشأن الداخلي لدول الجوار خاصة في مسألة قبرص التي دفعت هذه السلطات زعماء الجزيرة من القبارصة الأتراك الى التعنت ورفض أية حوار مع الجانب القبرصي اليوناني من أجل توحيد الجزيرة. كما أنهم قاموا بالتصعيد في بحر ايجة حول العديد من الجزر هناك وبدأوا بخلق مشاكل مع اليونان رغم أن الدولتين هم أعضاء حلف الناتو. أما بخصوص سوريا والعراق فحدث ولا حرج، خاصة وأن الأمر يتعلق بالقضية الكردية. لم يكن هناك أي رفض من جانب حكومتي البعث في سوريا والعراق إزاء التدخلات السافرة من جانب الفاشية التركية في البلدين، بل على العكس من ذلك، كان النظامين الذين هما على طرفي نقيض رغم أنهم من نفس الفكر البعثي الشوفيني البغيض، لكنهم كانوا متفقين مع الإتراك ضد القضية الكردية وقدّموا تسهيلات للفاشية التركية من أجل ضرب الحركة التحررية الكردية ضمن الأراضي الكردية التي تم إلحاقها بدولهم حديثة التكوين دونما أي اعتبار لمسألة السيادة الوطنية التي دوماً يتشدقون لها.
ختاماً وماذا بعد …؟
الرد على انقلاب 12 ايلول الفاشي جاء من الزنزانات الى أن وصل الى قمم الجبال في كردستان. لم تفلح ضربة 12 أيلول الفاشية في كسر شوكة النضال التحرري للشعب الكردي تحت قيادة طليعته حركة حرية كردستان التي وصلت الى مرحلة مواجهة العدو عبر الكفاح المسلح من خلال قفزة 15 آب 1984 التاريخية والتي تحولت الى ملحمة انبعاث ليس فقط للشعب الكردي بل لكل شعوب المنطقة.
رغم مرور 45 عاماً على هذه الضربة الفاشية ضد شعبنا الكردي وقضيته العادلة، وفشلها في تحقيق حلمها بالقضاء على حركة حرية كردستان، ما تزال حكومة حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان وحليفه زعيم الحركة القومية الفاشية التركية دولت بخجلي يسعون إلى تحقيق حلم قادة الفاشية التركية، قادة انقلاب 12 أيلول 1980 ولكن بطريقة أخرى من خلال الوعود المعسولة بالحل السلمي والحوار دون القيام بأي خطوة جدية في هذا المسار. مثلما فعل ايفرين وزبانيته في القضاء على حركة حرية كردستان، سوف يفشل أردوغان وبخجلي أيضاً في ذلك وسوف تنتصر إرادة الشعب الكردي الحرة وبقيادة القائد والمفكر الكبير عبد الله أوجلان.
No Result
View All Result