الطبقة/عبد المجيد بدر- لم تكن مشاركة فرق عفرين في مهرجان الأصالة والتراث الرابع بالطبقة حضوراً فنياً، بل فعل مقاومة معلناً، فمنذ عام 2018، حين تعرّضت عفرين للاحتلال والتهجير القسري، تحوّل الفلكلور وسيلة صمود، تحمل الذاكرة وتؤكد أن الأرض لا تُنسى مهما ابتعدت المسافات.
على خشبة مهرجان والذي انعقد في الخامس من أيلول الجاري، كان المشهد أكبر من الغناء والرقص؛ كان إعلاناً أن الهوية أقوى من محاولات المحو، وأن المقاومة يمكن أن تتجسّد في أرقى صورها بالأغنية والزي والخطوة الراقصة.
عفرين، الواقعة في شمال غرب سوريا، تُعرف بسهولها الخصبة وجبالها التي يكسوها الزيتون، حتى لُقبت بـ “جنة الزيتون”. كانت قبل 2018 من أكثر المناطق استقرارًا وتنوعًا ثقافيًا، إذ جمعت الكرد والعرب والأرمن والإيزيديين في نسيج اجتماعي غني بالفلكلور والأعراس الشعبية والمواسم الزراعية.
لكن مع الاحتلال والتهجير القسري عام 2018، تحوّل المشهد: آلاف العائلات نزحت، وكثير من القرى أُفرغت من أهلها، ومعها بدا وكأن الذاكرة مهددة بالاندثار. غير أن سكان عفرين حملوا تراثهم أينما حلّوا؛ في الأغنية التي ما زالت تتردد، وفي الرقصات التي تُؤدّى في الأعراس والمهرجانات.
وكل فعالية فنية من عفرين إعلان صمود ورسالة للأرض، التي لا تُنسى من وجدان أهلها، وإن غابوا عنها جسدًا.
صوت الجبال في مواجهة النسيان
وقفت فرقة جياي كرمنج بزيها الكردي فعكست صلابة الجبال. على وقع الطنبور والدف، وانطلقت الأغاني الشعبية، وكأنها أناشيد مقاومة لا تهدأ في مهرجان التراث والأصالة الرابع بالطبقة.
المغني حمودة سيمو: “نغني كي تبقى عفرين حيّة في وجداننا. كل كلمة خيط يشدّنا إلى الوطن، وكل لحن صرخة ضد محاولات محو الهوية”.
وأضاف: “حين أغني، أشعر أنني أستدعي جبال عفرين لتقف معنا هنا. أغني لأتذكر طفولتي في الحقول، لأستعيد أصوات جيراني وأهازيج الأعراس، التي لم تعد كما كانت.
الأغنية جبهة مقاومة. أحيانًا أشعر أن صوتي يرتجف من ثقل الذاكرة، لكنني أواصل الغناء كي أقول لأطفالي: هذه أرضكم، وهذه أغانيكم، لا تسمحوا لأحد أن يمحوها منكم”.
الرقص كجذور زيتون لا تُقتلع
بأزيائهم الحمراء التقليدية، وغطاء الرأس الملوّن بالأحمر والأصفر والأخضر، تقدّم أعضاء فرقة الدبكة “فَكَرا عفرين” حلقات جماعية مترابطة، وأيادٍ مشدودة كأنها ترفض التشتت. كانت خطواتهم تعانق دقات الطبول وزغاريد النساء لتقول إن الرقص ليس طقسًا احتفاليًا فحسب، بل فعل مقاومة وحياة.
“نسرين رشيد” إحدى عضوات الفرقة لخّصت التجربة بقولها: “حين نرقص، نشعر أننا نستعيد الأرض بأجسادنا. جسدي يصبح مثل شجرة زيتون، جذورها ثابتة، وإن اقتلعوها من التربة. الرقص لنا ليس تسلية؛ إنه رسالة للعالم إننا هنا، وإننا مستمرون”.
“محمد سليمان”، وهو مشارك خمسيني في الفرقة، قدّم شهادته الخاصة من خلال تجربته:
“أرقص اليوم كما كنت أفعل شابًا في عرس قريتي. حين أتحرك على وقع الطبل، أرى صور أصدقائي وأهلي في ذاكرتي. كثير منهم غابوا عنا، لكن خطواتي تحييهم من جديد. الرقص ليس مسألة عمر فهو استمرار للحياة نفسها. في كل قفزة أشعر أنني أقول: نحن لم ننكسر، ولن ننكسر”.
المهرجان: منبر مقاومة ثقافية
منذ انطلاقه قبل خمسة أعوام، لم يعد مهرجان الأصالة والتراث في الطبقة مجرد فعالية فنية، بل تحوّل فضاء للمقاومة الثقافية، على خشبته تقاطعت أصوات عفرين مع أنغام الجزيرة ودير الزور وكوباني، في لوحة جماعية تحافظ على الذاكرة وتعيد بثها بروح جديدة.
مغادرة الفرق عن المسرح لم يكن نهاية العرض، بل بداية ذكرى جديدة تُضاف إلى رصيد المقاومة الثقافية، في صمت القاعة بعد التصفيق، بقيت كلمات الأغنية وخطوات الرقص معلقة في الهواء، مثل عهدٍ غير مكتوب: أن تبقى عفرين حيّة ما دام هناك من يغني ويرقص باسمها.