No Result
View All Result
د. رفعت عامر
منذ الاستقلال الأول لسوريا عام 1921 وحتى اليوم ما زال سؤال التقدّم والتخلّف مطروحًا على السوريين والعرب عمومًا: لماذا تقدّم الآخرون وتخلّف العرب؟ سؤال صاغه المفكر اللبناني شكيب أرسلان، وتفرّع عنه أسئلة فرعية مختلفة. من بين هذه الأسئلة ما يتعلق بدول مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية وماليزيا، التي كانت في خمسينيات القرن الماضي متخلفة، بينما كانت سوريا آنذاك أكثر تطورًا منها بكل المعايير الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
نهضت هذه الدول وحققت معجزات اقتصادية وتنموية فيما بعد، في حين أن سوريا التي وصفها رئيس وزراء ماليزيا السابق مهاتير محمد، عندما كان طالبًا في جامعة دمشق في الخمسينيات، بأنها دولة متقدمة، تحولت تدريجيًا من السيئ إلى الأسوأ، حتى وصلت اليوم إلى حالة من الانحطاط والبؤس لا مثيل لها إلا في بعض الدول مثل الصومال وأفغانستان.
لقد تصدى كثير من المفكرين لسؤال التقدّم والتخلّف في العالم العربي، ومنهم من تناول الحالة السورية. جاءت الأجوبة متباينة؛ فأصاب بعضهم في كشف جوانب محدودة من الواقع العربي وخصائصه، لكن الكثيرين فشلوا في تحديد الأسباب الحقيقية وتشخيص المرض، فلجأوا إلى الخيار الأسهل: الاستعمار. اعتبروا إن الاستعمار يفسّر كل الإخفاقات، فأراحهم ذلك من عناء التفكير والبحث الجاد. هكذا نشأت نظرية المؤامرة التي لم تفعل فعلها في أي مكان من العالم كما فعلت في العالم العربي. فهي تُرجع سبب التخلّف إلى الاستعمار، بينما الحقيقة أن الاستعمار نتيجة للتخلّف وليس سببه.
وجدت هذه النظرية دعمًا كبيرًا من أنظمة الاستبداد السياسي، فاستسلمت لها شعوبنا ومثقفونا، لتبرّر كسلها العقلي وتُعفي نفسها من عناء العمل والبحث الجاد والمسؤولية. ومن نتائج تلك الثقافة السلطوية والشعبية في العالم العربي إعفاء الذات من النقد، فتكاسل العقل وفقدت مجتمعاتنا الآليات الداخلية التي تدفع الشعوب نحو المستقبل. وعند تكرار الفشل والهزائم لم يبقَ سوى الحل السهل للتعويض عن الشعور بالنقص وتفسير الانتكاسات: العودة إلى “السلف الصالح”. وقد تجلّى ذلك في سوريا اليوم من خلال استدعاء نظرية الأمويين وبني أمية.
وللحديث بعمق عن محاولة الإجابة على سؤال: لماذا تقدّم الآخرون وتخلّف العرب؟ قدّم الدكتور مصطفى حجازي مساهمة نوعية من خلال نبش أعماق البنية النفسية والاجتماعية للإنسان العربي في كتابيه مدخل إلى سيكولوجيا الإنسان المقهور والإنسان المهدور. كما أصدر كتابه الأخير: العصبيات وآفاتها.. هدر الأوطان واستلاب الإنسان، حيث يؤكد أن العالم العربي أسير مثلث قاتل هو: العصبيات، والأصوليات، والاستبداد. ويرى أن هذه البنية لم تكن مجرد ظاهرة عابرة، بل ترسّخت في أعماق اللاوعي الجمعي حتى غدت قدرًا لا فكاك منه.
يقول حجازي: إن اللاوعي الثقافي الجمعي يمثل البنى العميقة، الاجتماعية منها والنفسية سواء بسواء، ويظل فاعلًا بقوة في الخفاء، لأنه يحدد البنى الذهنية الحاكمة للبنى الاجتماعية وعلاقات السلطة على وجه الخصوص، وكذلك للنظرة إلى الذات والكون. ويصدق ذلك على واقع الشرائح الشعبية العربية بشكلٍ خاص، ورسـوخ الذهنية العصبية وما تولّده من أصوليات واستبداد تشكّل هذا الوعي، الذي استمر قرابة ألف عام من التاريخ العربي الإسلامي، بدءًا من عهد السلاجقة والبويهيين، مرورًا بالعهد العثماني، حيث سادت عصور الاستبداد السياسي والأصولية الدينية، وقُضي على الانفتاح الفكري والديني (تكفير المعتزلة) والفلسفي (تحريم التفلسف وشيوع مقولة “كل من تمنطق تزندق”)، وتجيير الفكر الأصولي لخدمة السلطان واستبداده. كما جرى تعميم الجبرية وذهنية الخضوع لتبدو وكأنها قدر محتوم وطبيعة الحياة ذاتها.
العالم العربي، رغم مظاهر الحداثة، لم يحقق النقلة النوعية التي تمثلت بالثورة الثقافية المواكبة للثورة الصناعية في الغرب، والتي لبّت احتياجاتها في إعداد الإنسان المنتج وتأطيره مؤسسيًا وقانونيًا، وإطلاق سلطان العقل محل سلطان الغيب الذي كان خادمًا ومبررًا لسلطة الكنيسة. ويؤكد حجازي على فكرة أساسية: لا يمكن بناء حداثة مستقبلية على تراكمات الماضي وتركها كما هي من دون مراجعة وتدقيق وفرز وتمحيص.
فالتغيير لا يقتصر على الأنظمة السياسية الاستبدادية، وإنما لا بد أن يتناول الأصوليات التي ترسّخت كثوابت تاريخية، ويصيب ثوابت اللاوعي الثقافي التي اتخذت على مر القرون طابع الثوابت الأبدية.
إن العلاقة التعزيزية والترابطية والتكاملية بين أطراف هذه الثلاثية تتجلى في أن العصبية ذات نزعة أصولية في بنيتها النفسية، إذ تقوم على القطعية التي تلغي الآخر، وتسبغ على كيانها كل الفضائل بينما تسقط على الآخر كل المثالب. هذا ما يمهّد لتفجر العنف بين الداخل والخارج، حيث يشكّل العنف النتاج المباشر لعدم الاعتراف بالآخر، ناهيك عن شيطنته وإسقاط كل العيوب الذاتية عليه.
هذه هي السمة الأصولية للعصبية، حتى بمعزل عن الدين. ويضاف إلى ذلك أن رباط الدم المكوّن لنواة العصبية يتعزز ويتفاقم من خلال رباط العقيدة الدينية أو السياسية أيضًا (الأخوّة في الدم، والأخوة في العقيدة الدينية والسياسية). وعلى الصعيد السياسي غالبًا ما تتلازم العصبية السياسية مع العصبية الدينية، كما في “المارونية السياسية” و”السنية السياسية” و”الشيعية السياسية”.
إن مثلث العصبية – الأصولية – الاستبداد يقف أساسًا ضد قيام وطن جامع، إذ تتركز غايته في إقامة نظام حكم يقوم على: غلبة إحدى العصبيات، أو إقامة دولة أو خلافة إسلامية أو طائفية، أو نظام حكم استبدادي إلغائي، يعتمد على الأجهزة الأمنية أو المجموعات التي تحميه.
الدرس السوري يوضح أن التغيير لا يتحقق بمجرد إسقاط رأس النظام السياسي، فحتى إذا سقط الاستبداد، فإن العصبيات والأصوليات قادرة على إعادة إنتاجه في أشكال جديدة. كما حدث عند سقوط الأسد وظهور الشرع. التغيير الحقيقي يبدأ من مراجعة البُنى العميقة للوعي الجمعي، الذي رسّخ أفكار الإخوان المسلمين، وسهّل دخول الفكر المتطرف إلى المجتمعات السورية السنية.
أخيرًا، يبدو أن المثلث المكوّن من العصبية والأصولية والاستبداد ليس مجرد ماضٍ بعيد، بل هو حاضر نشط يواصل تفتيت الأوطان واستلاب الإنسان. وفي سوريا، تحوّل الاستبداد إلى نسق متجذّر لا يقتصر على كونه ممارسة سياسية قمعية، بل يعتمد على العصبيات التي تضفي طابع “المقدّس” على سلطات الأمر الواقع ومجموعاتها الحاكمة في دمشق.
No Result
View All Result